فصل: تفسير الآيات رقم (1- 28)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


سورة نوح

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 28‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏1‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏2‏)‏ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ‏(‏3‏)‏ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ‏(‏5‏)‏ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ‏(‏6‏)‏ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ‏(‏8‏)‏ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ‏(‏9‏)‏ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ‏(‏10‏)‏ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ‏(‏11‏)‏ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ‏(‏12‏)‏ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ‏(‏13‏)‏ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ‏(‏14‏)‏ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ‏(‏15‏)‏ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ‏(‏16‏)‏ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ‏(‏18‏)‏ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ‏(‏19‏)‏ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ‏(‏20‏)‏ قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏21‏)‏ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ‏(‏22‏)‏ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ‏(‏23‏)‏ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ‏(‏24‏)‏ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ‏(‏25‏)‏ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ‏(‏27‏)‏ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ‏(‏28‏)‏‏}‏

هذه السورة كلها تقص قصة نوح عليه السلام مع قومه؛ وتصف تجربة من تجارب الدعوة في الأرض؛ وتمثل دورة من دورات العلاج الدائم الثابت المتكرر للبشرية، وشوطاً من أشواط المعركة الخالدة بين الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل‏.‏

هذه التجربة تكشف عن صورة من صور البشرية العنيدة، الضالة، الذاهبة وراء القيادات المضللة، المستكبرة عن الحق، المعرضة عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان، المعروضة أمامها في الأنفس والآفاق، المرقومة في كتاب الكون المفتوح، وكتاب النفس المكنون‏.‏

وهي في الوقت ذاته تكشف عن صورة من صور الرحمة الإلهية تتجلى في رعاية الله لهذا الكائن الإنساني، وعنايته بأن يهتدي‏.‏ تتجلى هذه العناية في إرسال الرسل تترى إلى هذه البشرية العنيدة الضالة الذاهبة وراء القيادات المضللة المستكبرة عن الحق والهدى‏.‏

ثم هي بعد هذا وذلك تعرض صورة من صور الجهد المضني، والعناء المرهق، والصبر الجميل، والإصرار الكريم من جانب الرسل صلوات الله عليهم لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة العصية الجامحة‏.‏ وهم لا مصلحة لهم في القضية ولا أجر يتقاضونه من المهتدين على الهداية، ولا مكافأة ولا جُعل يحصلونه على حصول الإيمان‏!‏ كالمكافأة أو النفقة التي تتقاضاها المدارس والجامعات والمعاهد والمعلمون، في زماننا هذا وفي كل زمان في صورة نفقات للتعليم‏!‏

هذه الصورة التي يعرضها نوح عليه السلام على ربه، وهو يقدم له حسابه الأخير بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً قضاها في هذا الجهد المضني، والعناء المرهق، مع قومه المعاندين، الذاهبين وراء قيادة ضالة مضللة ذات سلطان ومال وعزوة‏.‏ وهو يقول‏:‏

‏{‏رب‏.‏ إني دعوت قومي ليلاً ونهارا‏.‏ فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا‏.‏ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا‏.‏ ثم إني دعوتهم جهاراً‏.‏ ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا‏.‏ فقلت‏:‏ استغفروا ربكم، إنه كان غفارا، يرسل السمآء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا‏.‏ ما لكم لا ترجون لله وقارا‏؟‏ وقد خلقكم أطوارا‏؟‏ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً‏؟‏ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً‏؟‏ والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا‏.‏ والله جعل لكم الأرض بساطاً، لتسلكوا منها سبلاً فجاجا‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يقول بعد عرض هذا الجهد الدائب الملح الثابت المصر‏:‏

‏{‏رب إنهم عصوني، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا‏.‏ ومكروا مكراً كبارا‏.‏ وقالوا‏:‏ لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا‏.‏ وقد أضلوا كثيراً‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهي حصيلة مريرة‏.‏ ولكن الرسالة هي الرسالة‏!‏

هذه التجربة المريرة تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي انتهت إليه أمانة دعوة الله في الأرض كلها في آخر الزمان، واضطلع بأكبر عبء كلفه رسول‏.‏

‏.‏ يرى فيها صورة الكفاح النبيل الطويل لأخ له من قبل، لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض‏.‏ ويطلع منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق؛ وفساد القيادة الضالة وغلبتها على القيادة الراشدة‏.‏ ثم إرادة الله في إرسال الرسل تترى بعد هذا العناد والضلال منذ فجر البشرية على يدي جدها نوح عليه السلام‏.‏

وتعرض على الجماعة المسلمة في مكة، وعلى الأمة المسلمة بعامة، وهي الوارثة لدعوة الله في الأرض، وللمنهج الإلهي المنبثق من هذه الدعوة، القائمة عليه في وسط الجاهلية المشتركة يومذاك، وفي وسط كل جاهلية تالية‏.‏‏.‏ ترى فيها صورة الكفاح والإصرار والثبات هذا المدى الطويل من أبي البشرية الثاني‏.‏ كما ترى فيها عناية الله بالقلة المؤمنة، وإنجاءها من الهلاك الشامل في ذلك الحين‏.‏

وتعرض على المشركين ليروا فيها مصير أسلافهم المكذبين؛ ويدركوا نعمة الله عليهم في إرساله إليهم رسولاً رحيماً بهم، لا يدعو عليهم بالهلاك الشامل؛ وذلك لما قدره الله من الرحمة بهم وإمهالهم إلى حين‏.‏ فلم تصدر من نبيهم دعوة كدعوة نوح، بعدما استنفد كل الوسائل، وألهم الدعاء على القوم بما ألهم‏:‏

‏{‏ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً‏.‏ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا‏}‏‏.‏‏.‏

ومن خلال عرض هذه الحلقة من حلقات الدعوة الإلهية على البشرية تتجلى حقيقة وحدة العقيدة وثبات أصولها، وتأصل جذورها‏.‏ كما يتجلى ارتباطها بالكون وبإرادة الله وقدره، وأحداث الحياة الواقعة وفق قدر الله‏.‏ وذلك من خلال دعوة نوح لقومه‏:‏ ‏{‏قال‏:‏ يا قوم إني لكم نذير مبين‏.‏ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون‏.‏ يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى، إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏ وفي حكاية قوله لهم‏:‏ ‏{‏ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً‏؟‏ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً‏؟‏ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً‏؟‏ والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً، والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً‏}‏‏.‏‏.‏

ولإقرار هذه الحقيقة في نفوس المسلمين قيمته في شعورهم بحقيقة دعوتهم، وحقيقة نسبهم العريق‏!‏ وحقيقة موكبهم المتصل من مطلع البشرية‏.‏ وحقيقة دورهم في إقرار هذه الدعوة والقيام عليها‏.‏ وهي منهج الله القويم القديم‏.‏

وإن الإنسان ليأخذه الدهش والعجب، كما تغمره الروعة والخشوع، وهو يستعرض بهذه المناسبة ذلك الجهد الموصول من الرسل عليهم صلوات الله وسلامه لهداية البشرية الضالة المعاندة‏.‏

ويتدبر إرادة الله المستقرة على إرسال هؤلاء الرسل واحداً بعد واحد لهذه البشرية المعرضة العنيدة‏.‏

وقد يعن للإنسان أن يسأل‏:‏ ترى تساوي الحصيلة هذا الجهد الطويل، وتلك التضحيات النبيلة، من لدن نوح عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام ثم ما كان بينهما وما تلاهما من جهود المؤمنين بدعوة الله وتضحياتهم الضخام‏؟‏

ترى هل تساوي هذا الجهد الذي وصفه نوح في هذه السورة وفي غيرها من سور القرآن، وقد استغرق عمراً طويلاً بالغ الطول، لم يكتف قومه فيه بالإعراض، بل أتبعوه بالسخرية والاتهام‏.‏ وهو يتلقاهما بالصبر والحسنى، والأدب الجميل والبيان المنير‏.‏

ثم تلك الجهود الموصولة منذ ذلك التاريخ، وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ‏.‏ من رسل يستهزأ بهم، أو يحرقون بالنار، أو ينشرون بالمنشار، أو يهجرون الأهل والديار‏.‏‏.‏ حتى تجيء الرسالة الأخيرة، فيجهد فيها محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الجهد المشهود المعروف، هو والمؤمنون معه‏.‏ ثم تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته في كل أرض وفي كل جيل، ترى تساوي الحصيلة كل هذه الجهود، وكل هذه التضحيات، وكل هذا الجهاد المرير الشاق‏؟‏ ثم‏.‏‏.‏ ترى هذه البشرية كلها تساوي تلك العناية الكريمة من الله، المتجلية في استقرار إرادته سبحانه على إرسال الرسل تترى بعد العناد والإعراض والإصرار والاستكبار، من هذا الخلق الهزيل الصغير المسمى بالإنسان‏؟‏‏!‏

والجواب بعد التدبر‏:‏ أن نعم‏:‏ وبلا جدال‏.‏‏.‏ ‏!‏

إن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض يساوي كل هذا الجهد، وكل هذا الصبر، وكل هذه المشقة، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل جيل‏!‏

ولعل استقرار هذه الحقيقة أكبر من وجود الإنسان ذاته؛ بل أكبر من الأرض وما عليها؛ بل أكثر من هذا الكون الهائل الذي لا تبلغ الأرض أن تكون فيه هباءة ضائعة لا تكاد تحس أو ترى‏!‏

وقد شاءت إرادة الله أن يخلق هذا الكائن الإنساني بخصائص معينة، تجعل استقرار هذه الحقيقة في ضميره وفي نظام حياته موكولاً إلى الجهد الإنساني ذاته، بعون الله وتوفيقه‏.‏ ولسنا نعلم لم خلق الله هذا الكائن بهذه الخصائص‏.‏‏.‏ ووكله إلى إدراكه وجهده وإرادته في تحقيق حقيقة الإيمان في ذاته وفي نظام حياته؛ ولم يجبله على الإيمان والطاعة لا يعرف غيرهما كالملائكة، أو يمحضه للشر والمعصية لا يعرف غيرهما كإبليس‏.‏

لسنا نعلم سر هذا‏.‏ ولكننا نؤمن بأن هنالك حكمة تتعلق بنظام الوجود كله في خلق هذا الكائن بهذه الخصائص‏!‏

وإذن فلا بد من جهد بشري لإقراره حقيقة الإيمان في عالم الإنسان‏.‏ هذا الجهد اختار الله له صفوة من عباده هم الأنبياء والرسل‏.‏ وثلة مختارة من أتباعهم هم المؤمنون الصادقون‏.‏

اختارهم لإقرار هذه الحقيقة في الأرض، لأنها تساوي كل ما يبذلون فيها من جهود مضنية مريرة، وتضحيات شاقة نبيلة‏.‏

إن استقرار هذه الحقيقة في قلب معناه أن ينطوي هذا القلب على قبس من نور الله؛ وأن يكون مستودعاً لسر من أسراره؛ وأن يكون أداة من أدوات قدره النافذ في هذا الوجود‏.‏‏.‏ وهذه حقيقة لا مجرد تصوير وتقريب‏.‏‏.‏ وهي حقيقة أكبر من الإنسان ذاته ومن أرضه وسمائه، ومن كل هذا الكون الكبير‏!‏

كما أن استقرار حقيقة الإيمان في حياة البشر أو جماعة منهم معناه اتصال هذه الحياة الأرضية بالحياة الأبدية، وارتفاعها إلى المستوى الذي يؤهلها لهذا الاتصال‏.‏ معناه اتصال الفناء بالبقاء والجزء بالكل والمحدود الناقص بالكمال المطلق‏.‏‏.‏ وهي حصيلة تربى على كل جهد وكل تضحية ولو تحققت على الأرض يوماً أو بعض يوم في عمر البشرية الطويل، لأن تحققها ولو في هذه الصورة يرفع أمام البشرية في سائر أجيالها مشعل النور في صورة عملية واقعية، تجاهد لتبلغ إليها طوال الأجيال‏!‏

ولقد أثبت الواقع التاريخي المتكرر أن النفس البشرية لم تبلغ إلى آفاق الكمال المقدر لها بأية وسيلة كما بلغتها باستقرار حقيقة الإيمان بالله فيها‏.‏ وأن الحياة البشرية لم ترتفع إلى هذه الآفاق بوسيلة أخرى كما ارتفعت بهذه الوسيلة‏.‏ وأن الفترات التي استقرت فيها هذه الحقيقة في الأرض، وتسلم أهلها قيادة البشرية كانت قمة في تاريخ الإنسان سامقة، بل كانت حلماً أكبر من الخيال، ولكنه متمثل في واقع يحياه الناس‏.‏

وما يمكن أن ترتقي البشرية ولا أن ترتفع عن طريق فلسفة أو علم أو فن أو مذهب من المذاهب أو نظام، إلى المستوى الذي وصلت أو تصل إليه عن طريق استقرار حقيقة الإيمان بالله في نفوس الناس وحياتهم وأخلاقهم وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم‏.‏‏.‏ وهذه الحقيقة ينبثق منها منهج حياة كامل، سواء جاءت مجملة كما هي في الرسالات الأولى، أو مفصلة شاملة دقيقة كما هي في الرسالة الأخيرة‏.‏

والدليل القاطع على أن هذه العقيدة حقيقة من عند الله؛ هو هذا الذي أثبته الواقع التاريخي من بلوغ البشرية باستقرار حقيقة الإيمان في حياتها ما لم تبلغه قط بوسيلة أخرى من صنع البشر‏:‏ لا علم، ولا فلسفة، ولا فن، ولا نظام من النظم‏.‏ وأنها حين فقدت قيادة المؤمنين الحقيقيين لم ينفعها شيء من ذلك كله؛ بل انحدرت قيمها وموازينها وإنسانيتها، كما غرقت في الشقاء النفسي والحيرة الفكرية والأمراض العصبية، على الرغم من تقدمها الحضاري في سائر الميادين، وعلى الرغم من توافر عوامل الراحة البدنية والمتاع العقلي، وأسباب السعادة المادية بجملتها‏.‏ ولكنها لم تنل السعادة والطمأنينة والراحة الإنسانية أبداً‏.‏ ولم يرتفع تصورها للحياة قط كما ارتفع في ظل الحقيقة الإيمانية، ولم تتوثق صلتها بالوجود قط كما توثقت في ظل هذه العقيدة، ولم تشعر بكرامة «النفس الإنسانية» قط كما شعرت بها في تلك الفترة التي استقرت فيها تلك الحقيقة‏.‏

والدراسة الواعية للتصور الإسلامي لغاية الوجود كله وغايه الوجود الإنساني تنتهي حتماً إلى هذه النتيجة‏.‏

وهذا كله يستحق بدون تردد كل ما يبذله المؤمنون من جهود مضنية، ومن تضحيات نبيلة، لإقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض‏.‏ وإقامة قلوب تنطوي على قبس من نور الله، وتتصل بروح الله‏.‏ وإقامة حياة إنسانية يتمثل فيها منهج الله للحياة‏.‏ وترتفع فيها تصورات البشر وأخلاقهم، كما يرتفع فيها واقع حياتهم إلى ذلك المستوى الرفيع، الذي شهدته البشرية واقعاً في فترة من فترات التاريخ‏.‏

وستعرض البشرية كما أعرضت عن دعوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم الكرام‏.‏ وستذهب مع القيادات الضالة المضلة الممعنة في الضلال‏.‏ وستعذب الدعاة إلى الحق أنواعاً مختلفة من العذاب، وتنكل بهم ألواناً شتى من النكال‏.‏ كما ألقت إبراهيم في النار‏.‏ ونشرت غيره بالمنشار، وسخرت واستهزأت بالرسل والأنبياء على مدار التاريخ‏.‏

ولكن الدعوة إلى الله لا بد أن تمضي في طريقها كما أراد الله‏.‏ لأن الحصيلة تستحق الجهود المضنية والتضحيات النبيلة، ولو صغرت فانحصرت في قلب واحد ينطوي على قبس من نور الله، ويتصل بروح الله‏!‏

إن هذا الموكب المتصل من الرسل والرسالات من عهد نوح عليه السلام إلى عهد محمد عليه أزكى السلام لينبئ عن استقرار إرادة الله على اطراد الدعوة إلى حقيقة الإيمان الكبيرة، وعلى قيمة هذه الدعوة وقيمة الحصيلة‏.‏ وأقل نسبة لهذه الحصيلة هي أن تستقر حقيقة الإيمان في قلوب الدعاة أنفسهم حتى يلاقوا الموت وما هو أشد من الموت في سبيلها ولا ينكصون عنها‏.‏ وبهذا يرتفعون على الأرض كلها وينطلقون من جواذبها، ويتحررون من ربقتها‏.‏ وهذا وحده كسب كبير، أكبر من الجهد المرير‏.‏ كسب للدعاة‏.‏ وكسب للإنسانية التي تشرف بهذا الصنف منها وتكرم‏.‏ وتستحق أن يُسجد الله الملائكة لهذا الكائن، الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء‏.‏ ولكنه يتهيأ بجهده هو ومحاولته وتضحيته لاستقبال قبس من نور الله‏.‏ كما يتهيأ لأن ينهض وهو الضعيف العاجز بتحقيق قدر الله في الأرض، وتحقيق منهجه في الحياة‏.‏ ويبلغ من الطلاقة والتحرر الروحي أن يضحي بالحياة، ويحتمل من المشقة ما هو أكبر من ضياع الحياة، لينجو بعقيدته وينهض بواجبه في محاولة إقرارها في حياة الآخرين، وتحقيق السعادة لهم والتحرر والارتفاع‏.‏ وحين يتحقق لروح الإنسان هذا القدر من التحرر والانطلاق، يهون الجهد، وتهون المشقة، وتهون التضحية، ويتوارى هذا كله، لتبرز تلك الحصيلة الضخمة التي ترجح الأرض والسماء في ميزان الله‏.‏

والآن نستعرض قصة نوح في هذه السورة، وما تمثله من حقيقة تلك الحقيقة‏!‏

‏{‏إنآ أرسلنا نوحاً إلى قومه‏:‏ أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم‏.‏ قال‏:‏ يا قوم‏:‏ إني لكم نذير مبين‏:‏ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون‏.‏ يغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل مسمى، إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

تبدأ السورة بتقرير مصدر الرسالة والعقيدة وتوكيده‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه‏}‏‏.‏‏.‏ فهذا هو المصدر الذي يتلقى منه الرسل التكليف، كما يتلقون حقيقة العقيدة‏.‏ وهو المصدر الذي صدر منه الوجود كله، وصدرت منه الحياة‏.‏ وهو الله الذي خلق البشر وأودع فطرتهم الاستعداد لأن تعرفه وتعبده، فلما انحرفوا عنها وزاغوا أرسل إليهم رسله، يردونهم إليه‏.‏ ونوح عليه السلام كان أول هؤلاء الرسل بعد آدم عليه السلام‏.‏ وآدم لا يذكر القرآن له رسالة بعد مجيئه إلى هذه الأرض، وممارسته لهذه الحياة؛ ولعله كان معلماً لأبنائه وحفدته حتى إذا طال عليهم الأمد بعد وفاته ضلوا عن عبادة الله الواحد‏.‏ واتخذوا لهم أصناماً آلهة‏.‏ اتخذوها في أول الأمر انصاباً ترمز إلى قوى قدسوها‏.‏ قوى غيبية أو مشهودة‏.‏ ثم نسوا الرمز وعبدوا الأصنام‏!‏ وأشهرها تلك الخمسة التي سيرد ذكرها في السورة‏.‏ فأرسل الله إليهم نوحاً يردهم إلى التوحيد، ويصحح لهم تصورهم عن الله وعن الحياة والوجود‏.‏ والكتب المقدسة السابقة تجعل إدريس عليه السلام سابقاً لنوح‏.‏ ولكن ما ورد في هذه الكتب لا يدخل في تكوين عقيدة المسلم، لشبهة التحريف والتزيد والإضافة إلى تلك الكتب‏.‏

والذي يتجه إليه من يقرأ قصص الأنبياء في القرآن، أن نوحاً كان في فجر البشرية؛ وأن طول عمره الذي قضى منه ألف سنة إلا خمسين عاماً في دعوته لقومه، ولا بد أنهم كانوا طوال الأعمار بهذه النسبة‏.‏‏.‏ أن طول عمره وأعمار جيله هكذا يوحي بأن البشر كانوا ما يزالون قلة لم تتكاثر بعد كما تكاثرت في الأجيال التالية‏.‏ وذلك قياساً على ما نراه من سنة الله في الأحياء من طول العمر إذا قل العدد، كأن ذلك للتعويض والتعادل‏.‏‏.‏ والله أعلم بذلك‏.‏‏.‏ إنما هي نظرة في سنة الله وقياس‏!‏

تبدأ السورة بتقرير مصدر الرسالة وتوكيده، ثم تذكر فحوى رسالة نوح في اختصار وهي الإنذار‏:‏

‏{‏أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم‏}‏‏.‏‏.‏

والحالة التي كان قوم نوح قد انتهوا إليها، من إعراض واستكبار وعناد وضلال كما تبرز من خلال الحساب الذي قدمه نوح في النهاية لربه تجعل الإنذار هو أنسب ما تلخص به رسالته، وأول ما يفتتح به الدعوة لقومه، الإنذار بعذاب أليم، في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما جميعاً‏.‏

ومن مشهد التكليف ينتقل السياق مباشرة إلى مشهد التبليغ في اختصار، البارز فيه هو الإنذار، مع الإطماع في المغفرة على ما وقع من الخطايا والذنوب؛ وتأجيل الحساب إلى الأجل المضروب في الآخرة للحساب؛ وذلك مع البيان المجمل لأصول الدعوة التي يدعوهم إليها‏:‏

‏{‏قال‏:‏ يا قوم إني لكم نذير مبين‏.‏ أن اعبدوا الله، واتقوه، وأطيعون‏.‏ يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى‏.‏ إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏يا قوم إني لكم نذير مبين‏}‏‏.‏‏.‏ مفصح عن نذارته، مبين عن حجته، لا يتمتم ولا يجمجم، ولا يتلعثم في دعوته، ولا يدع لبساً ولا غموضاً في حقيقة ما يدعو إليه، وفي حقيقة ما ينتظر المكذبين بدعوته‏.‏

وما يدعو إليه بسيط واضح مستقيم‏:‏ ‏{‏أن اعبدوا الله، واتقوه وأطيعون‏}‏‏.‏‏.‏ عبادة لله وحده بلا شريك‏.‏ وتقوى لله تهيمن على الشعور والسلوك‏.‏ وطاعة لرسوله تجعل أمره هو المصدر الذي يستمدون منه نظام الحياة وقواعد السلوك‏.‏

وفي هذه الخطوط العريضة تتلخص الديانة السماوية على الإطلاق‏.‏ ثم تفترق بعد ذلك في التفصيل والتفريع‏.‏ وفي مدى التصور وضخامته وعمقه وسعته وشموله وتناوله للجوانب المختلفة للوجود كله، وللوجود الإنساني في التفصيل والتفريع‏.‏

وعبادة الله وحده منهج كامل للحياة، يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية؛ ولحقيقة الصلة بين الخلق والخالق، ولحقيقة القوى والقيم في الكون وفي حياة الناس‏.‏‏.‏ ومن ثم ينبثق نظام للحياة البشرية قائم على ذلك التصور، فيقوم منهج للحياة خاص‏.‏ منهج رباني مرجعه إلى حقيقة الصلة بين العبودية والألوهية، وإلى القيم التي يقررها الله للأحياء والأشياء‏.‏

وتقوى الله‏.‏‏.‏ هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الناس على ذلك المنهج، وعدم التلفت عنه هنا أو هناك، وعدم الاحتيال عليه أو الالتواء في تنفيذه‏.‏ كما أنها هي مبعث الخلق الفاضل المنظور فيه إلى الله، بلا رياء ولا تظاهر ولا مماراة‏.‏

وطاعة الرسول‏.‏‏.‏ هي الوسيلة للاستقامة على الطريق، وتلقي الهدى من مصدره المتصل بالمصدر الأول للخلق والهداية، وبقاء الاتصال بالسماء عن طريق محطة الاستقبال المباشرة السليمة المضمونة‏!‏

فهذه الخطوط العريضة التي دعا نوح إليها قومه في فجر البشرية هي خلاصة دعوة الله في كل جيل بعده، وقد وعدهم عليها ما وعد الله به التائبين الثائبين‏:‏

‏{‏يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى‏}‏‏.‏‏.‏

وجزاء الاستجابة للدعوة إلى عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله هي المغفرة والتخليص من الذنوب التي سلفت؛ وتأخير الحساب إلى الأجل المضروب له في علم الله‏.‏ وهو اليوم الآخر‏.‏ وعدم الأخذ في الحياة الدنيا بعذاب الاستئصال ‏(‏وسيرد في الحساب الذي قدمه نوح لربه أنه وعدهم أشياء أخرى في أثناء الحياة‏)‏‏.‏

ثم بين لهم أن ذلك الأجل المضروب حتمي في موعده، ولا يؤخر كما يؤخر عذاب الدنيا‏.‏

‏.‏ وذلك لتقرير هذه الحقيقة الاعتقادية الكبرى‏:‏

‏{‏إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

كما أن النص يحتمل أن يكون هذا تقريراً لكل أجل يضربه الله؛ ليقر في قلوبهم هذه الحقيقة بوجه عام‏.‏ بمناسبة الحديث عن الوعد بتأخير حسابهم لو أطاعوا وأنابوا إلى يوم الحساب‏.‏

وراح نوح عليه السلام يواصل جهوده النبيلة الخالصة الكريمة لهداية قومه، بلا مصلحة له، ولا منفعة؛ ويحتمل في سبيل هذه الغاية النبيلة ما يحتمل من إعراض واستكبار واستهزاء‏.‏‏.‏ ألف سنة إلا خمسين عاماً‏.‏‏.‏ وعدد المستجيبين له لا يكاد يزيد؛ ودرجة الإعراض والإصرار على الضلال ترتفع وتزداد‏!‏ ثم عاد في نهاية المطاف يقدم حسابه لربه الذي كلفه هذا الواجب النبيل وذلك الجهد الثقيل‏!‏ عاد يصف ما صنع وما لاقى‏.‏‏.‏ وربه يعلم‏.‏ وهو يعرف أن ربه يعلم‏.‏ ولكنها شكوى القلب المتعب في نهاية المطاف، إلى الجهة الوحيدة التي يشكو إليها الأنبياء والرسل والمؤمنون حقيقة الإيمان‏.‏‏.‏ إلى الله‏.‏‏.‏

‏{‏قال‏:‏ رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارا، فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا؛ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا، واستكبروا استكبارا‏.‏ ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا‏.‏ فقلت‏:‏ استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السمآء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا‏.‏ ما لكم لا ترجون لله وقارا‏؟‏ وقد خلقكم أطوارا‏؟‏ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا‏؟‏ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجا‏؟‏ والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا‏.‏ والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏

هذا ما صنع نوح وهذا ما قال؛ عاد يعرضه على ربه وهو يقدم حسابه الأخير في نهاية الأمد الطويل‏.‏ وهو يصور الجهد الدائب الذي لا ينقطع‏:‏ ‏{‏إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً‏}‏‏.‏‏.‏

ولا يمل ولا يفتر ولا ييئس أمام الإعراض والإصرار‏:‏ ‏{‏فلم يزدهم دعائي إلا فراراً‏}‏‏.‏‏.‏ فراراً من الداعي إلى الله‏.‏ مصدر الوجود والحياة، ومصدر النعم والآلاء، ومصدر الهدى والنور‏.‏ وهو لا يطلب أجراً على السماع ولا ضريبة عل الاهتداء‏!‏ الفرار ممن يدعوهم إلى الله ليغفر لهم ويخلصهم من جريرة الإثم والمعصية والضلال‏!‏

فإذا لم يستطيعوا الفرار، لأن الداعي واجههم مواجهة، وتحين الفرصة ليصل إلى أسماعهم بدعوته، كرهوا أن يصل صوته إلى أسماعهم‏.‏ وكرهوا أن تقع عليه أنظارهم، وأصروا على الضلال، واستكبروا عن الاستجابة لصوت الحق والهدى‏:‏ ‏{‏وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً‏}‏‏.‏‏.‏ وهي صورة لإصرار الداعية على الدعوة وتحين كل فرصة ليبلغهم إياها؛ وإصرارهم هم على الضلال‏.‏

تبرز من ثناياها ملامح الطفولة البشرية العنيدة‏.‏ تبرز في وضع الأصابع في الآذان، وستر الرؤوس والوجوه بالثياب‏.‏ والتعبير يرسم بكلماته صورة العناد الطفولي الكامل، وهو يقول‏:‏ إنهم ‏{‏جعلوا أصابعهم في آذانهم‏}‏ وآذانهم لا تسع أصابعهم كاملة، إنما هم يسدونها بأطراف الأصابع‏.‏ ولكنهم يسدونها في عنف بالغ، كأنما يحاولون أن يجعلوا أصابعهم كلها في آذانهم ضماناً لعدم تسرب الصوت إليها بتاتاً‏!‏ وهي صورة غليظة للإصرار والعناد، كما أنها صورة بدائية لأطفال البشرية الكبار‏!‏

ومع الدأب على الدعوة، وتحين كل فرصة، والإصرار على المواجهة‏.‏‏.‏ اتبع نوح عليه السلام كل الأساليب فجهر بالدعوة تارة، ثم زاوج بين الإعلان والإسرار تارة‏:‏ ‏{‏ثم إني دعوتهم جهاراً، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً‏}‏‏.‏‏.‏

وفي أثناء ذلك كله أطمعهم في خير الدنيا والآخرة‏.‏ أطمعهم في الغفران إذا استغفروا ربهم فهو سبحانه غفار للذنوب‏:‏ ‏{‏فقلت‏:‏ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً‏}‏‏.‏‏.‏ وأطمعهم في الرزق الوفير الميسور من أسبابه التي يعرفونها ويرجونها وهي المطر الغزير، الذي تنبت به الزروع، وتسيل به الأنهار، كما وعدهم برزقهم الآخر من الذرية التي يحبونها وهي البنين والأموال التي يطلبونها ويعزونها‏:‏ ‏{‏يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً‏}‏‏.‏‏.‏

وقد ربط بين الاستغفار وهذه الأرزاق‏.‏ وفي القرآن مواضع متكررة فيها هذا الارتباط بين صلاح القلوب واستقامتها على هدى الله، وبين تيسير الأرزاق، وعموم الرخاء‏.‏‏.‏ جاء في موضع‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون‏}‏ وجاء في موضع‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم‏.‏ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم‏.‏‏.‏‏}‏ وجاء في موضع‏:‏ ‏{‏ألا تعبدوا إلا الله إنَّني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة؛ كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون‏.‏ والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد‏.‏ وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهاً حقيقياً لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبئ عن خشية الله‏.‏‏.‏ ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعاً، إلا فاضت فيها الخيرات، ومكن الله لها في الأرض واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء‏.‏

ولقد نشهد في بعض الفترات أمماً لا تتقي الله ولا تقيم شريعته؛ وهي مع هذا موسع عليها في الرزق، ممكن لها في الأرض‏.‏

‏.‏ ولكن هذا إنما هو الابتلاء‏:‏ ‏{‏ونبلوكم بالشر والخير فتنة‏}‏ ثم هو بعد ذلك رخاء مؤوف، تأكله آفات الاختلال الاجتماعي والانحدار الأخلاقي، أو الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان‏.‏‏.‏ وأمامنا الآن دولتان كبيرتان موسع عليهما في الرزق، ممكن لهما في الأرض‏.‏ إحداهما رأسمالية والأخرى شيوعية‏.‏ وفي الأولى يهبط المستوى الأخلاقي إلى الدرك الأسفل من الحيوانية، ويهبط تصور الحياة إلى الدرك الأسفل كذلك فيقوم كله على الدولار‏!‏‏!‏ وفي الثانية تهدر قيمة «الإنسان» إلى درجة دون الرقيق وتسود الجاسوسية ويعيش الناس في وجل دائم من المذابح المتوالية؛ ويبيت كل إنسان وهو لا يضمن أنه سيصبح ورأسه بين كتفيه لا يطيح في تهمة تحاك في الظلام‏!‏ وليست هذه أو تلك حياة إنسانية توسم بالرخاء‏!‏

ونمضي مع نوح في جهاده النبيل الطويل‏.‏ فنجده يأخذ بقومه إلى آيات الله في أنفسهم وفي الكون من حولهم، وهو يعجب من استهتارهم وسوء أدبهم مع الله، وينكر عليهم ذلك الاستهتار‏:‏

‏{‏ما لكم لا ترجون لله وقاراً‏؟‏ وقد خلقكم أطواراً‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والأطوار التي يخاطب بها قوم نوح في ذلك الزمان لا بد أن تكون أمراً يدركونه، أو أن يكون أحد مدلولاتها مما يملك أولئك القوم في ذلك الزمان أن يدركوه، ليرجو من وراء تذكيرهم به أن يكون له في نفوسهم وقع مؤثر، يقودهم إلى الاستجابة‏.‏ والذي عليه أكثر المفسرين أنها الأطوار الجنينية من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الهيكل إلى الخلق الكامل‏.‏‏.‏ وهذا يمكن أن يدركه القوم إذا ذكر لهم‏.‏ لأن الأجنة التي تسقط قبل اكتمالها في الأرحام يمكن أن تعطيهم فكرة عن هذه الأطوار‏.‏ وهذا أحد مدلولات هذه الآية‏.‏ ويمكن أن يكون مدلولها ما يقوله علم الأجنة‏.‏ من أن الجنين في أول أمره يشبه حيوان الخلية الواحدة؛ ثم بعد فترة من الحمل يمثل الجنين شبه الحيوان المتعدد الخلايا‏.‏ ثم يأخذ شكل حيوان مائي‏.‏ ثم شكل حيوان ثديي‏.‏ ثم شكل المخلوق الإنساني‏.‏‏.‏ وهذا أبعد عن إدراك قوم نوح‏.‏ فقد كشف هذا حديثاً جداً‏.‏ وقد يكون هذا هو مدلول قوله تعالى في موضع آخر بعد ذكر أطوار الجنين‏:‏ ‏{‏ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين‏}‏ كما أن هذا النص وذاك قد تكون لهما مدلولات أخرى لم تتكشف للعلم بعد‏.‏‏.‏ ولا نقيدهما‏.‏‏.‏

وعلى أية حال فقد وجه نوح قومه إلى النظر في أنفسهم، وأنكر عليهم أن يكون الله خلقهم أطواراً، ثم هم بعد ذلك لا يستشعرون في أنفسهم توقيراً للجليل الذي خلقهم‏.‏‏.‏ وهذا أعجب وأنكر ما يقع من مخلوق‏!‏

كذلك وجههم إلى كتاب الكون المفتوح‏:‏ ‏{‏ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً‏؟‏ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً‏؟‏‏}‏‏.‏

‏.‏ والسماوات السبع لا يمكن حصرها في مدلول مما تقول به الفروض العلمية في التعريف بالكون‏.‏ فهي كلها مجرد فروض‏.‏ إنما وجه نوح قومه إلى السماء وأخبرهم كما علمه الله أنها سبع طباق‏.‏ فيهن القمر نور وفيهن الشمس سراج‏.‏ وهم يرون القمر ويرون الشمس، ويرون ما يطلق عليه اسم السماء‏.‏ وهو هذا الفضاء ذو اللون الأزرق‏.‏ أما ما هو‏؟‏ فلم يكن ذلك مطلوباً منهم‏.‏ ولم يجزم أحد إلى اليوم بشيء في هذا الشأن‏.‏‏.‏ وهذا التوجيه يكفي لإثارة التطلع والتدبر فيما وراء هذه الخلائق الهائلة من قدرة مبدعة‏.‏‏.‏ وهذا هو المقصود من ذلك التوجيه‏.‏ ثم عاد نوح فوجه قومه إلى النظر في نشأتهم من الأرض وعودتهم إليها بالموت ليقرر لهم حقيقة إخراجهم منها بالبعث‏:‏ ‏{‏والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً‏}‏‏.‏‏.‏

والتعبير عن نشأة الإنسان من الأرض بالإنبات تعبير عجيب موح‏.‏ وهو يكرر في القرآن في صور شتى‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً‏}‏ وهو يشير في هذا إلى نشأة الناس كنشأة النبات‏.‏ كما يقرن نشأة الإنسان بنشأة النبات في مواضع متفرقة‏:‏ ففي سورة الحج يجمع بينهما في آية واحدة في صدد البرهنة على حقيقة البعث فيقول‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، وترى الأرض هامدة، فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج‏}‏ وفي سورة «المؤمنون» يذكر أطوار النشأة الجنينية قريباً مما ذكرت في سورة الحج ويجيء بعدها‏:‏ ‏{‏فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب‏}‏ وهكذا‏.‏

وهي ظاهرة تستدعي النظر ولا ريب‏.‏ فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة على وجه الأرض‏.‏ وأن نشأة الإنسان من الأرض كنشأة النبات‏.‏ من عناصرها الأولية يتكون‏.‏ ومن عناصرها الأولية يتغذى وينمو، فهو نبات من نباتها‏.‏ وهبة الله هذا اللون من الحياة كما وهب النبات ذلك اللون من الحياة‏.‏ وكلاهما من نتاج الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم‏!‏

وكذلك ينشئ الإيمان في المؤمن تصوراً حقيقياً حياً لعلاقته بالأرض وبالأحياء‏.‏ تصوراً فيه دقة العلم وفيه حيوية الشعور‏.‏ لأنه قائم على الحقيقة الحية في الضمير‏.‏ وهذه ميزة المعرفة القرآنية الفريدة‏.‏

والناس الذين نبتوا من الأرض يعودون إلى جوفها مرة أخرى‏.‏ ويعيدهم الله إليها كما أنبتهم منها‏.‏ فيختلط رفاتهم بتربتها، وتندمج ذراتهم في ذراتها، كما كانوا فيها من قبل أن ينبتوا منها‏!‏ ثم يخرجهم الذي أول مرة؛ وينبتهم كما أنبتهم أول مرة‏.‏

‏.‏ مسألة سهلة يسيرة لا تستدعي التوقف عندها لحظة، حين ينظر الإنسان إليها من هذه الزاوية التي يعرضها القرآن منها‏!‏

ونوح عليه السلام وجه قومه إلى هذه الحقيقة لتستشعر قلوبهم يد الله وهي تنبتهم من هذه الأرض نباتاً، وهي تعيدهم فيها مرة أخرى‏.‏ ثم تتوقع النشأة الأخرى وتحسب حسابها، وهي كائنة بهذا اليسر وبهذه البساطة‏.‏ بساطة البداهة التي لا تقبل جدلاً‏!‏

وأخيراً وجه نوح قلوب قومه إلى نعمة الله عليهم في تيسير الحياة لهم على هذه الأرض وتذليلها لسيرهم ومعاشهم وانتقالهم وطرائق حياتهم‏:‏ ‏{‏والله جعل لكم الأرض بساطاً، لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه الحقيقة القريبة من مشاهدتهم وإدراكهم تواجههم مواجهة كاملة، ولا يملكون الفرار منها كما كانوا يفرون من صوت نوح وإنذاره‏.‏ فهذه الأرض بالقياس إليهم مبسوطة ممهدة حتى جبالها قد جعل لهم عبرها دروباً وفجاجاً، كما جعل في سهولها من باب أولى‏.‏ وفي سبلها ودروبها يمشون ويركبون وينتقلون؛ ويبتغون من فضل الله، ويتعايشون في يسر وتبادل للمنافع والأرزاق‏.‏

وهم كانوا يدركون هذه الحقيقة المشاهدة لهم بدون حاجة إلى دراسات علمية عويصة، يدرسون بها النواميس التي تحكم وجودهم على هذه الأرض، وتيسر لهم الحياة فيها‏.‏ وكلما زاد الإنسان علماً أدرك من هذه الحقيقة جوانب جديدة وآفاقاً بعيدة‏.‏

هكذا سلك نوح أو حاول أن يسلك إلى آذان قومه وقلوبهم وعقولهم بشتى الأساليب، ومتنوع الوسائل في دأب طويل، وفي صبر جميل، وفي جهد نبيل، ألف سنة إلا خمسين عاماً‏.‏ ثم عاد إلى ربه الذي أرسله إليهم، يقدم حسابه، ويبث شكواه، في هذا البيان المفصل، وفي هذه اللهجة المؤثرة‏.‏ ومن هذا البيان الدقيق نطلع على تلك الصورة النبيلة من الصبر والجهد والمشقة، وهي حلقة واحدة في سلسلة الرسالة السماوية لهذه البشرية الضالة العصية‏!‏ فماذا كان بعد كل هذا البيان‏؟‏

‏{‏قال نوح‏:‏ رب إنهم عصوني، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً‏.‏ ومكروا مكراً كباراً‏.‏ وقالوا لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً‏.‏ وقد أضلوا كثيراً‏.‏ ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً‏}‏‏.‏‏.‏

رب إنهم عصوني‏!‏ بعد كل هذا الجهاد، وبعد كل هذا العناء‏.‏ وبعد كل هذا التوجيه‏.‏ وبعد كل هذا التنوير‏.‏ وبعد الإنذار والإطماع والوعد بالمال والبنين والرخاء‏.‏‏.‏ بعد هذا كله كان العصيان‏.‏ وكان السير وراء القيادات الضالة المضللة، التي تخدع الأتباع بما تملك من المال والأولاد، ومظاهر الجاه والسلطان‏.‏ ممن ‏{‏لم يزده ماله وولده إلا خساراً‏}‏ فقد أغراهم المال والولد بالضلال والإضلال، فلم يكن وراءهما إلا الشقاء والخسران‏.‏

هؤلاء القادة لم يكتفوا بالضلال‏.‏

‏.‏ ‏{‏ومكروا مكراً كباراً‏}‏‏.‏ مكراً متناهياً في الكبر‏.‏ مكروا لإبطال الدعوة وإغلاق الطريق في وجهها إلى قلوب الناس‏.‏ ومكروا لتزيين الكفر والضلال والجاهلية التي تخبط فيها القوم‏.‏ وكان من مكرهم تحريض الناس على الاستمساك بالأصنام التي يسمونها آلهة‏:‏ ‏{‏وقالوا‏:‏ لا تذرن آلهتكم‏}‏‏.‏‏.‏ بهذه الإضافة‏:‏ ‏{‏آلهتكم‏}‏ لإثارة النخوة الكاذبة والحمية الآثمة في قلوبهم‏.‏ وخصصوا من هذه الأصنام أكبرها شأناً فخصوها بالذكر ليهيج ذكرها في قلوب العامة المضللين الحمية والاعتزاز‏.‏‏.‏ ‏{‏ولا تذرن وداً، ولا سواعاً، ولا يغوث، ويعوق، ونسراً‏}‏‏.‏‏.‏ وهي أكبر آلهتهم التي ظلت تعبد في الجاهليات بعدهم إلى عهد الرسالة المحمدية‏.‏

وهكذا تلك القيادات الضالة المضللة تقيم أصناماً، تختلف أسماؤها وأشكالها، وفق النعرة السائدة في كل جاهلية؛ وتجمع حواليها الأتباع، وتهيج في قلوبهم الحمية لهذه الأصنام، كي توجههم من هذا الخطام إلى حيث تشاء، وتبقيهم على الضلال الذي يكفل لها الطاعة والانقياد‏:‏ ‏{‏وقد أضلوا كثيراً‏}‏ ككل قيادة ضالة تجمع الناس حول الأصنام‏.‏‏.‏ أصنام الأحجار‏.‏ وأصنام الأشخاص‏.‏ وأصنام الأفكار‏.‏‏.‏ سواء‏!‏‏!‏ للصد عن دعوة الله، وتوجيه القلوب بعيداً عن الدعاة، بالمكر الكبّار، والكيد والإصرار‏!‏

هنا انبعث من قلب النبي الكريم نوح عليه السلام ذلك الدعاء على الظالمين الضالين المضلين، الماكرين الكائدين‏:‏

‏{‏ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً‏}‏‏.‏‏.‏

ذلك الدعاء المنبعث من قلب جاهد طويلاً، وعانى كثيراً، وانتهى بعد كل وسيلة إلى اقتناع بأن لا خير في القلوب الظالمة الباغية العاتية؛ وعلم أنها لا تستحق الهدى ولا تستأهل النجاة‏.‏

وقبل أن يعرض السياق بقية دعاء نوح عليه السلام يعرض ما صار إليه الظالمون الخاطئون في الدنيا والآخرة جميعاً‏!‏ فأمر الآخرة كأمر الدنيا حاضر بالقياس إلى علم الله، وبالقياس إلى الوقوع الثابت الذي لا تغيير فيه‏:‏

‏{‏مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً‏.‏ فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً‏}‏‏.‏

فبخطيئاتهم وذنوبهم ومعصياتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً‏.‏ والتعقيب بالفاء مقصود هنا، لأن إدخالهم النار موصول بإغراقهم؛ والفاصل الزمني القصير كأنه غير موجود، لأنه في موازين الله لا يحسب شيئاً‏.‏ فالترتيب مع التعقيب كائن بين إغراقهم في الأرض وإدخالهم النار يوم القيامة‏.‏ وقد يكون هو عذاب القبر في الفترة القصيرة بين الدنيا والآخرة‏.‏‏.‏ ‏{‏فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً‏}‏‏.‏‏.‏

لا بنون ولا مال ولا سلطان ولا أولياء من الآلهة المدعاة‏!‏

وفي آيتين اثنتين قصيرتين ينتهي أمر هؤلاء العصاة العتاة، ويطوى ذكرهم من الحياة‏!‏ وذلك قبل أن يذكر السياق دعاء نوح عليهم بالهلاك والفناء‏.‏‏.‏ ولا يفصل هنا قصة غرقهم، ولا قصة الطوفان الذي أغرقهم‏.‏ لأن الظل المراد إبقاؤه في هذا الموقف هو ظل الإجهاز السريع، حتى ليعبر المسافة بين الإغراق والإحراق في حرف الفاء‏!‏ على طريقة القرآن في إيقاعاته التعبيرية والتصويرية المبدعة‏.‏

فنقف نحن في ظلال السياق لا نتعداها إلى تفصيل قصة الإغراق‏.‏‏.‏ ولا الإحراق‏.‏‏.‏ ‏!‏

ثم يكمل دعاء نوح الأخير؛ وابتهاله إلى ربه في نهاية المطاف‏:‏

‏{‏وقال نوح‏:‏ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً‏.‏ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً‏.‏ رب اغفر لي ولوالدي، ولمن دخل بيتي مؤمناً، وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً‏}‏‏.‏‏.‏

فقد ألهم قلب نوح أن الأرض تحتاج إلى غسل يطهر وجهها من الشر العارم الخالص الذي انتهى إليه القوم في زمانه‏.‏ وأحياناً لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين، لأن وجودهم يجمد الدعوة إلى الله نهائياً، ويحول بينها وبين الوصول إلى قلوب الآخرين‏.‏ وهي الحقيقة التي عبر عنها نوح، وهو يطلب الإجهاز على أولئك الظالمين إجهازاً كاملاً لا يبقي منهم دياراً أي صاحب ديار فقال‏:‏ ‏{‏إنك إن تذرهم يضلوا عبادك‏}‏‏.‏‏.‏ ولفظة ‏{‏عبادك‏}‏ توحي بأنهم المؤمنون‏.‏ فهي تجيء في السياق القرآني في مثل هذا الموضوع بهذا المعنى‏.‏ وذلك بفتنتهم عن عقيدتهم بالقوة الغاشمة، أو بفتنة قلوبهم بما ترى من سلطان الظالمين وتركهم من الله في عافيه‏!‏

ثم إنهم يوجدون بيئة وجواً يولد فيها الكفار، وتوحي بالكفر من الناشئة الصغار، بما يطبعهم به الوسط الذي ينشئه الظالمون، فلا توجد فرصة لترى الناشئة النور، من خلال ما تغمرهم به البيئة الضالة التي صنعوها‏.‏ وهي الحقيقة التي أشار إليها قول النبي الكريم نوح عليه السلام، وحكاها عنه القرآن‏:‏ ‏{‏ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً‏}‏‏.‏‏.‏ فهم يطلقون في جو الجماعة أباطيل وأضاليل، وينشئون عادات وأوضاعاً ونظماً وتقاليد، ينشأ معها المواليد فجاراً كفاراً، كما قال نوح‏.‏‏.‏

من أجل هذا دعا نوح عليه السلام دعوته الماحقة الساحقة‏.‏ ومن أجل هذا استجاب الله دعوته، فغسل وجه الأرض من ذلك الشر؛ وجرف العواثير التي لا تجرفها إلا قوة الجبار القدير‏.‏

وإلى جانب الدعوة الساحقة الماحقة التي جعلها خاتمة دعائه وهو يقول‏:‏ ‏{‏ولا تزد الظالمين إلا تباراَ‏}‏ أي هلاكاً ودماراً إلى جانب هذا كان الابتهال الخاشع الودود‏:‏

‏{‏رب اغفر لي ولوالدي، ولمن دخل بيتي مؤمناً، وللمؤمنين والمؤمنات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ودعاء نوح النبي لربه أن يغفر له‏.‏‏.‏ هو الأدب النبوي الكريم في حضرة الله العلي العظيم‏.‏‏.‏ أدب العبد في حضرة الرب‏.‏ العبد الذي لا ينسى أنه بشر، وأنه يخطئ، وأنه يقصر، مهما يطع ويعبد، وأنه لا يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله بفضله، كما قال أخوه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو الاستغفار الذي دعا قومه العصاة الخاطئين إليه، فاستكبروا عليه‏.‏

سورة الجن

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 28‏]‏

‏{‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا ‏(‏1‏)‏ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ‏(‏2‏)‏ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ‏(‏3‏)‏ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ‏(‏4‏)‏ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ‏(‏5‏)‏ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ‏(‏6‏)‏ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ‏(‏7‏)‏ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ‏(‏8‏)‏ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ‏(‏9‏)‏ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ‏(‏10‏)‏ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ‏(‏11‏)‏ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ‏(‏12‏)‏ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ‏(‏13‏)‏ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ‏(‏14‏)‏ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ‏(‏15‏)‏ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ‏(‏16‏)‏ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ‏(‏17‏)‏ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ‏(‏18‏)‏ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ‏(‏19‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ‏(‏20‏)‏ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ‏(‏21‏)‏ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ‏(‏22‏)‏ إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ‏(‏23‏)‏ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ‏(‏24‏)‏ قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ‏(‏25‏)‏ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ‏(‏26‏)‏ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ‏(‏27‏)‏ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ‏(‏28‏)‏‏}‏

هذه السورة تبده الحس قبل أن ينظر إلى المعاني والحقائق الواردة فيها بشيء آخر واضح كل الوضوح فيها‏.‏‏.‏ إنها قطعة موسيقية مطردة الإيقاع، قوية التنغيم، ظاهرة الرنين؛ مع صبغة من الحزن في إيقاعها، ومسحة من الأسى في تنغيمها، وطائف من الشجى في رنينها، يساند هذه الظاهرة ويتناسق معها صور السورة وظلالها ومشاهدها، ثم روح الإيحاء فيها‏.‏ وبخاصة في الشطر الأخير منها بعد انتهاء حكاية قول الجن، والاتجاه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب الذي يثير العطف على شخص الرسول في قلب المستمع لهذه السورة، عطفاً مصحوباً بالحب وهو يؤمر أن يعلن تجرده من كل شيء في أمر هذه الدعوة إلا البلاغ، والرقابة الإلهية المضروبة حوله وهو يقوم بهذا البلاغ‏:‏

‏{‏قل‏:‏ إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحداً‏.‏‏.‏ قل‏:‏ إني لا أملك لكم ضَرَّاً ولا رشداً قل‏:‏ إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً، إلا بلاغاً من الله ورسالاته، ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبداً، حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً‏.‏‏.‏ قل‏:‏ إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً، عالم الغيب فلا يُظِهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم، وأحصى كل شيء عدداً‏}‏‏.‏‏.‏

وذلك كله إلى جانب الإيقاع النفسي للحقائق التي وردت في حكاية قول الجن، وبيانهم الطويل المديد‏.‏ وهي حقائق ذات ثقل ووزن في الحس والتصور؛ والاستجابة لها تغشى الحس بحالة من التدبر والتفكير، تناسب مسحة الحزن ورنة الشجى المتمشية في إيقاع السورة الموسيقي‏!‏

وقراءة هذه السورة بشيء من الترتيل الهادئ، توقع في الحس هذا الذي وصفناه من المسحة الغالبة عليها‏.‏‏.‏

فإذا تجاوزنا هذه الظاهرة التي تبده الحس؛ إلى موضوع السورة ومعانيها واتجاهها فإننا نجدها حافلة بشتى الدلالات والإيحاءات‏.‏

إنها ابتداء شهادة من عالم آخر بكثير من قضايا العقيدة التي كان المشركون يجحدونها ويجادلون فيها أشد الجدل، ويرجمون في أمرها رجماً لا يستندون فيه إلى حجة، ويزعمون أحياناً أن محمداً صلى الله عليه وسلم يتلقى من الجن ما يقوله لهم عنها‏!‏ فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها؛ وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئاً‏.‏ والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلا حين سمعوه من محمد صلى الله عليه وسلم فهالهم وراعهم ومسهم منه ما يدهش ويذهل، وملأ نفوسهم وفاض حتى ما يملكون السكوت على ما سمعوا، ولا الإجمال فيما عرفوا، ولا الاختصار فيما شعروا‏.‏

فانطلقوا يحدثون في روعة المأخوذ، ووهلة المشدوه، عن هذا الحادث العظيم، الذي شغل السماء والأرض والإنس والجن والملائكة والكواكب‏.‏ وترك آثاره ونتائجه في الكون كله‏!‏‏.‏‏.‏ وهي شهادة لها قيمتها في النفس البشرية حتماً‏.‏

ثم إنها تصحيح لأوهام كثيرة عن عالم الجن في نفوس المخاطبين ابتداء بهذه السورة، وفي نفوس الناس جميعاً من قبل ومن بعد؛ ووضع حقيقة هذا الخلق المغيب في موضعها بلا غلو ولا اعتساف‏.‏ فقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعتقدون أن للجن سلطاناً في الأرض، فكان الواحد منهم إذا أمسى بواد أو قفر، لجأ إلى الاستعاذة بعظيم الجن الحاكم لما نزل فيه من الأرض، فقال‏:‏ أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه‏.‏‏.‏ ثم بات آمناً‏!‏ كذلك كانوا يعتقدون أن الجن تعلم الغيب وتخبر به الكهان فيتنبأون بما يتنبأون‏.‏ وفيهم من عبد الجن وجعل بينهم وبين الله نسباً، وزعم له سبحانه وتعالى زوجة منهم تلد له الملائكة‏!‏

والاعتقاد في الجن على هذا النحو أو شبهه كان فاشياً في كل جاهلية، ولا تزال الأوهام والأساطير من هذا النوع تسود بيئات كثيرة إلى يومنا هذا‏!‏‏!‏‏!‏

وبينما كانت الأوهام والأساطير تغمر قلوب الناس ومشاعرهم وتصوراتهم عن الجن في القديم، وما تزال‏.‏‏.‏ نجد في الصف الآخر اليوم منكرين لوجود الجن أصلاً، يصفون أي حديث عن هذا الخلق المغيب بأنه حديث خرافة‏.‏‏.‏

وبين الإغراق في الوهم، والإغراق في الإنكار، يقرر الإسلام حقيقة الجن، ويصحح التصورات العامة عنهم، ويحرر القلوب من خوفها وخضوعها لسلطانهم الموهوم‏:‏

فالجن لهم حقيقة موجودة فعلاً وهم كما يصفون أنفسهم هنا‏:‏ ‏{‏وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدداً‏}‏‏.‏‏.‏ ومنهم الضالون المضلون ومنهم السذج الأبرياء الذين ينخدعون‏:‏ ‏{‏وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً، وأنا ظننا أن لن تقول الأنس والجن على الله كذباً‏}‏‏.‏‏.‏ وهم قابلون للهداية من الضلال، مستعدون لإدراك القرآن سماعاً وفهماً وتأثراً‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ أوحي إليَّ انه استمع نفر من الجن فقالوا‏:‏ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏‏.‏‏.‏ وأنهم قابلون بخلقتهم لتوقيع الجزاء عليهم وتحقيق نتائج الإيمان والكفر فيهم‏:‏ ‏{‏وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً‏.‏ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون، فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً، وأما القاسطون، فكانوا لجهنم حطباً‏}‏‏.‏‏.‏ وأنهم لا ينفعون الإنس حين يلوذون بهم بل يرهقونهم‏:‏ ‏{‏وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً‏}‏‏.‏‏.‏ وأنهم لا يعلمون الغيب، ولم تعد لهم صلة بالسماء‏:‏ ‏{‏وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً‏}‏‏.‏

‏.‏ وأنهم لا صهر بينهم وبين الله سبحانه وتعالى ولا نسب‏:‏ ‏{‏وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً‏}‏‏.‏‏.‏ وأن الجن لا قوة لهم مع قوة الله ولا حيلة‏:‏ ‏{‏وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً‏}‏‏.‏‏.‏

وهذا الذي ذكر في هذه السورة عن الجن بالإضافة إلى ما جاء في القرآن من صفات أخرى كتسخير طائفة من الشياطين لسليمان وهم من الجن وأنهم لم يعلموا بموته إلا بعد فترة، فدل هذا على أنهم لا يعلمون الغيب‏:‏ ‏{‏فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين‏}‏ ومثل قوله تعالى عن خصيصة من خصائص إبليس وقبيله وهو من الجن غير أنه تمحض للشر والفساد والإغراء‏:‏ ‏{‏إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم‏}‏‏.‏‏.‏ وما يدل عليه من أن كيان الجن غير مرئي للبشر، في حين أن كيان الإنس مرئي للجن‏.‏

هذا بالإضافة إلى ما قرره في سورة الرحمن عن المادة التي منها كيان الجن والمادة التي منها كيان الإنسان في قوله‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار‏}‏ يعطي صورة عن ذلك الخلق المغيب، تثبت وجوده، وتحدد الكثير من خصائصه؛ وفي الوقت ذاته تكشف الأوهام والأساطير، العالقة بالأذهان عن ذلك الخلق، وتدع تصور المسلم عنه واضحاً دقيقاً متحرراً من الوهم والخرافة، ومن التعسف في الإنكار الجامح كذلك‏!‏

وقد تكفلت هذه السورة بتصحيح ما كان مشركو العرب وغيرهم يظنونه عن قدرة الجن ودورهم في هذا الكون‏.‏ أما الذين ينكرون وجود هذا الخلق إطلاقاً، فلا أدري علام يبنون هذا الإنكار، بصيغة الجزم والقطع، والسخرية من الاعتقاد بوجوده، وتسميته خرافة‏!‏

ألأنهم عرفوا كل ما في هذا الكون من خلائق فلم يجدوا الجن من بينها‏؟‏‏!‏ إن أحداً من العلماء لا يزعم هذا حتى اليوم‏.‏ وإن في هذه الأرض وحدها من الخلائق الحية لكثيراً مما يكشف وجوده يوماً بعد يوم، ولم يقل أحد إن سلسلة الكشوف للأحياء في الأرض وقفت أو ستقف في يوم من الأيام‏!‏

ألأنهم عرفوا كل القوى المكنونة في هذا الكون فلم يجدوا الجن من بينها‏؟‏‏!‏ إن أحداً لا يدعي هذه الدعوى‏.‏ فهناك قوى مكنونة تكشف كل يوم؛ وهي كانت مجهولة بالأمس‏.‏ والعلماء جادون في التعرف إلى القوى الكونية، وهم يعلنون في تواضع قادتهم إليه كشوفهم العلمية ذاتها، أنهم يقفون على حافة المجهول في هذا الكون، وأنهم لم يكادوا يبدأون بعد‏!‏

ألأنهم رأوا كل القوى التي استخدموها، فلم يروا الجن من بينها‏؟‏‏!‏ ولا هذه‏.‏

فإنهم يتحدثون عن الكهرب بوصفه حقيقة علمية منذ توصلوا إلى تحطيم الذرة‏.‏ ولكن أحداً منهم لم ير الكهرب قط‏.‏ وليس في معاملهم من الأجهزة ما يفرزون به كهربا من هذه الكهارب التي يتحدثون عنها‏!‏

ففيم إذن هذا الجزم بنفي وجود الجن‏؟‏ ومعلومات البشر عن هذا الكون وقواه وسكانه من الضآلة بحيث لا تسمح لإنسان يحترم عقله أن يجزم بشيء‏؟‏ ألأن هذا الخلق المسمى الجن تعلقت به خرافات شتى وأساطير كثيرة‏؟‏ إن طريقنا في هذه الحالة هو إبطال هذه الخرافات والأساطير كما صنع القرآن الكريم، لا التبجح بنفي وجود هذا الخلق من الأساس، بلا حجة ولا دليل‏!‏ ومثل هذا الغيب ينبغي تلقي نبئه من المصدر الوحيد الموثوق بصحته، وعدم معارضة هذا المصدر بتصورات سابقة لم تستمد منه‏.‏ فما يقوله هو كلمة الفصل في مثل هذا الموضوع‏.‏

والسورة التي بين أيدينا بالإضافة إلى ما سبق تساهم مساهمة كبيرة في إنشاء التصور الإسلامي عن حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، ثم عن هذا الكون وخلائقه، والصلة بين هذه الخلائق المنوعة‏.‏

وفي مقالة الجن ما يشهد بوحدانية الله، ونفي الصاحبة والولد، وإثبات الجزاء في الآخرة؛ وأن أحداً من خلق الله لا يعجزه في الأرض ولا يفلت من يديه ويفوته، فلا يلاقي جزاءه العادل‏.‏ وتتكرر بعض هذه الحقائق فيما يوجه للرسول صلى الله عليه وسلم من الخطاب‏:‏ ‏{‏قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏{‏قل‏:‏ إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً‏}‏‏.‏‏.‏ وذلك بعد شهادة الجن بهذه الحقيقة شهادة كاملة صريحة‏.‏

كما أن تلك الشهادة تقرر أن الألوهية لله وحده، وأن العبودية هي أسمى درجة يرتفع إليها البشر‏:‏ ‏{‏وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً‏}‏‏.‏‏.‏ ويؤكد السياق هذه الحقيقة فيما يوجه للرسول صلى الله عليه وسلم من خطاب‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً‏}‏‏.‏

والغيب موكول لله وحده؛ لا تعرفه الجن‏:‏ ‏{‏وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً‏}‏‏.‏‏.‏ ولا تعرفه الرسل إلا ما يطلعهم الله عليه منه لحكمة يعلمها‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً‏.‏ عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏‏.‏

أما العباد والعبيد في هذا الكون، فقد علمتنا السورة أن بين بعضها والبعض الآخر مشاركات ومنافذ، ولو اختلف تكوينها، كالمشاركات التي بين الجن والإنس، مما حكته السورة وحكاه القرآن في مواضع أخرى‏.‏

فالإنسان ليس بمعزل حتى في هذه الأرض عن الخلائق الأخرى‏.‏ وبينه وبينها اتصال وتفاعل في صورة من الصور‏.‏ وهذه العزلة التي يحسها الإنسان بجنسه بله العزلة الفردية أو القبلية أو القومية لا وجود لها في طبيعة الكون ولا في واقعه‏.‏ وأحرى بهذا التصور أن يفسح في شعور الإنسان بالكون وما يعمره من أرواح وقوى وأسرار‏.‏ قد يجهلها الإنسان، ولكنها موجودة بالفعل من حوله، فهو ليس الساكن الوحيد لهذا الكون كما يعن له أحياناً أن يشعر‏!‏‏!‏

ثم إن هناك ارتباطاً بين استقامة الخلائق على الطريقة، وتحركات هذا الكون ونتائجها، وقدر الله في العباد‏:‏ ‏{‏وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء غدقاً لنفتنهم فيه‏.‏ ومن يُعرِض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً‏}‏‏.‏‏.‏ وهذه الحقيقة تؤلف جانباً من التصور الإسلامي للارتباطات بين الإنسان والكون وقدر الله‏.‏

وهكذا تمتد إيحاءات السورة إلى مساحات ومسافات وأبعاد وآماد واسعة بعيدة، وهي سورة لا تتجاوز الثماني والعشرين آية، نزلت في حادثة معينة ومناسبة خاصة‏.‏‏.‏

فأما هذا الحادث الذي أشارت إليه السورة‏.‏ حادث استماع نفر من الجن للقرآن‏.‏ فتختلف بشأنه الروايات‏.‏

قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه‏:‏ «دلائل النبوة»‏:‏ أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم‏.‏ انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، أرسلت عليهم الشهب‏.‏ فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا‏:‏ ما لكم‏؟‏ فقالوا‏:‏ حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب‏.‏ قالوا‏:‏ ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء‏.‏ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء‏.‏ فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامداً إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا إليه، فقالوا‏:‏ هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا‏:‏ ‏{‏إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏‏.‏‏.‏ وانزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن‏}‏‏.‏‏.‏ وإنما أوحي إليه قول الجن ‏(‏ورواه البخاري عن مسدد بنحو هذا، وأخرجه مسلم عن شيبان ابن فروخ عن أبي عوانة بهذا النص‏)‏‏.‏

فهذه رواية‏.‏ وهناك رواية أخرى‏.‏‏.‏ قال مسلم في صحيحه‏:‏ حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن عامر، قال‏:‏ «سألت علقمة‏:‏ هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن‏؟‏ قال‏:‏ فقال علقمة‏:‏ أنا سألت ابن مسعود رضي الله عنه فقلت‏:‏ هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل‏:‏ استطير‏؟‏ اغتيل‏؟‏ قال‏:‏ فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم‏.‏ فلما أصبحنا إذا هو، جاء من قبل حراء‏.‏ قال‏:‏ فقلنا‏:‏ يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم‏.‏ فقال‏:‏» أتاني داعي الجن، فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن «‏.‏ قال‏:‏» فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم «وسألوه الزاد فقال‏:‏» كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم «‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم»‏.‏

وهناك رواية أخرى عن ابن مسعود أنه كان تلك الليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إسناد الرواية الأولى أوثق‏.‏ فنضرب عن هذه وأمثالها‏.‏‏.‏ ومن الروايتين الواردتين في الصحيحين يتبين أن ابن عباس يقول‏:‏ إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف بحضور النفر من الجن، وأن ابن مسعود يقول‏:‏ إنهم استدعوه‏.‏ ويوفق البيهقي بين الروايتين بأنهما حادثان لا حادث واحد‏.‏

وهناك رواية ثالثة لابن اسحق قال‏:‏

«ولما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده»‏.‏

«قال ابن اسحق‏:‏ فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏» لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة‏:‏ يا ليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير‏.‏‏.‏ وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح‏.‏ فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه‏.‏ فقال له أحدهم‏:‏ هو يمرط ثياب الكعبة ‏(‏أي يمزقها‏)‏ إن كان الله أرسلك‏!‏ وقال الآخر‏:‏ أما وجد الله أحداً يرسله غيرك‏؟‏ وقال الثالث‏:‏ والله لا أكلمك أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام‏.‏ ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك‏.‏ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف‏.‏ وقد قال لهم فيما ذكر لي‏:‏ «إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني»‏.‏ وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم ‏(‏أي يحرشهم‏)‏ ذلك عليه «

«فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط ‏(‏أي بستان‏)‏ لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب ‏(‏أي طاقة من قضبان الكرم‏)‏ فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف‏.‏‏.‏ فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما ذكر لي‏:‏» اللهم إليك اشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني‏؟‏ إلى عبد يتجهمني‏؟‏ أم إلى عدو ملكته أمري‏؟‏ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي‏.‏ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك‏.‏‏.‏

قال‏:‏ فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له‏:‏ عداس‏.‏ فقال له‏:‏ خذ قطفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه‏.‏ ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له‏:‏ كل‏.‏ فلما وضع رسول الله صلى الله وعليه وسلم فيه يده قال‏:‏ «بسم الله» ثم أكل‏.‏ فنظر عداس في وجهه ثم قال‏:‏ والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس‏؟‏ وما دينك‏؟‏» قال‏:‏ نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من قرية الرجل الصالح يونس بن متى‏؟‏» فقال عداس‏:‏ وما يدريك ما يونس ابن متى‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ذاك اخي‏.‏ كان نبياً وأنا نبي» فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه‏.‏ قال‏:‏ يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك‏!‏ فلما جاءهما عداس قالا له‏:‏ ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه‏؟‏ قال‏:‏ يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا‏.‏ لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي‏.‏ قالا له‏:‏ ويحك يا عداس‏!‏ لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه‏!‏ «

«قال‏:‏ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي‏.‏ فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا‏.‏ فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ويجركم من عذاب أليم‏}‏ وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن‏}‏ إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة»‏.‏

وقد علق ابن كثير في تفسيره على رواية ابن اسحاق هذه فقال‏:‏ «هذا صحيح‏.‏ ولكن قوله‏:‏ إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر‏.‏ فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور‏.‏ وخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف كان بعد موت عمه‏.‏ وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره‏.‏ والله أعلم»‏.‏

وإذا صحت رواية ابن إسحاق عن أن الحادث وقع عقب عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف، مكسور الخاطر من التصرف اللئيم العنيد الذي واجهه به كبراء ثقيف، وبعد ذلك الدعاء الكسير الودود لربه ومولاه، فإنه ليكون عجيباً حقاً من هذا الجانب‏.‏ أن يصرف الله إليه ذلك النفر من الجن، وأن يبلغه ما فعلوا وما قالوا لقومهم، وفيه من الدلالات اللطيفة الموحية ما فيه‏.‏‏.‏

وأياً كان زمان هذا الحادث وملابساته فهو أمر ولا شك عظيم‏.‏

عظيم في دلالاته وفيما انطوى عليه‏.‏ وفيما أعقبه من مقالة الجن عن هذا القرآن وعن هذا الدين‏.‏‏.‏ فلنمض مع هذا كله كما يعرضه القرآن الكريم‏.‏

‏{‏قل‏:‏ أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا‏:‏ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنآ أحداً، وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً، وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً، وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً، وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً‏.‏ وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً‏}‏‏.‏‏.‏

والنفر ما بين الثلاثة والتسعة كالرهط‏.‏ وقيل كانوا سبعة‏.‏

وهذا الافتتاح يدل على أن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بأمر استماع الجن له، وما كان منهم بعد أن سمعوا القرآن منه‏.‏‏.‏ كانت بوحي من الله سبحانه إليه، وإخباراً عن أمر وقع ولم يعلم به الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله أطلعه عليه‏.‏ وقد تكون هذه هي المرة الأولى، ثم كانت هناك مرة أو مرات أخرى قرأ النبي فيها على الجن عن علم وقصد‏.‏ ويشهد بهذا ما جاء بشأن قراءته صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن «أخرجه الترمذي بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏» خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن إلى آخرها، فسكتوا‏.‏ فقال‏:‏ لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن ردوداً منكم‏.‏ كنت كلما أتيت على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبأي آلاء ربكما تكذبان‏؟‏‏}‏ قالوا‏:‏ لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد «‏.‏ وهذه الرواية تؤيد رواية ابن مسعود رضي الله عنه التي سبقت الإشارة إليها في المقدمة»‏.‏

ولا بد أن هذه المرة التي تحكيها هذه السورة هي التي تحكيها آيات الأحقاف‏:‏ ‏{‏وإذ صرفنآ إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن‏.‏ فلما حضروه قالوا‏:‏ أنصتوا‏.‏ فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين‏.‏ قالوا‏:‏ يا قومنآ إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى، مصدقاً لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم‏.‏ يا قومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم‏.‏ ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أوليآء أولئك في ضلال مبين‏}‏ فإن هذه الآيات كالسورة تنبئ عن وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن؛ مفاجأة تماسكهم، وزلزلت قلوبهم، وهزت مشاعرهم، وأطلقت في كيانهم دفعة عنيفة من التأثر امتلأ بها كيانهم كله وفاض، فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة فائضة بما لا تملك له دفعاً، ولا تملك عليه صبراً، قبل أن تفيضه على الآخرين في هذا الأسلوب المتدفق، النابض بالحرارة والانفعال، وبالجد والاحتفال في نفس الأوان، وهي حالة من يفاجأ أول مرة بدفعة قوية ترج كيانه، وتخلخل تماسكه، وتدفعه دفعاً إلى نقل ما يحسه إلى نفوس الآخرين في حماسة واندفاع، وفي جد كذلك واحتفال‏!‏

‏{‏إنا سمعنا قرآناً عجباً‏}‏‏.‏

فأول ما بدههم منه أنه «عجب» غير مألوف، وأنه يثير الدهش في القلوب، وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح، ومشاعر مرهفة، وذوق ذواق‏.‏‏.‏ عجب‏!‏ ذو سلطان متسلط، وذو جاذبية غلابة، وذو إيقاع يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب‏.‏‏.‏ عجب‏!‏ فعلاً‏.‏ يدل على أن أولئك النفر من الجن كانوا حقيقة يتذوقون‏!‏

‏{‏يهدي إلى الرشد‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه هي الصفة الثانية البارزة كذلك في هذا القرآن، والتي أحسها النفر من الجن، حين وجدوا حقيقتها في قلوبهم‏.‏‏.‏ وكلمة الرشد في ذاتها دلالة واسعة المدى‏.‏ فهو يهدي إلى الهدى والحق والصواب‏.‏ ولكن كلمة الرشد تلقي ظلاً آخر وراء هذا كله‏.‏ ظل النضوج والاستواء والمعرفة الرشيدة للهدى والحق والصواب‏.‏ ظل الإدراك الذاتي البصير لهذه الحقائق والمقومات، فهو ينشئ حالة ذاتية في النفس تهتدي بها إلى الخير والصواب‏.‏

والقرآن يهدي إلى الرشد بما ينشئه في القلب من تفتح وحساسية، وإدراك ومعرفة، واتصال بمصدر النور والهدى، واتساق مع النواميس الإلهية الكبرى‏.‏ كما يهدي إلى الرشد بمنهجه التنظيمي للحياة وتصريفها‏.‏ هذا المنهج الذي لم تبلغ البشرية في تاريخها كله، في ظل حضارة من الحضارات، أو نظام من الأنظمة، ما بلغته في ظله أفراداً وجماعات، قلوباً ومجتمعات، أخلاقاً فردية ومعاملات اجتماعية‏.‏‏.‏ على السواء‏.‏

‏{‏فآمنا به‏}‏‏.‏‏.‏

وهي الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن، وإدراك طبيعته، والتأثر بحقيقته‏.‏‏.‏ يعرضها الوحي على المشركين الذين كانوا يسمعون هذا القرآن ثم لا يؤمنون‏.‏ وفي الوقت ذاته ينسبونه إلى الجن، فيقولون‏:‏ كاهن أو شاعر أو مجنون‏.‏‏.‏ وكلها صفات للجن فيها تأثير‏.‏ وهؤلاء هم الجن مبهورين بالقرآن مسحورين متأثرين أشد التأثر، منفعلين أشد الانفعال، لا يملكون أنفسهم من الهزة التي ترج كيانهم رجاً‏.‏‏.‏ ثم يعرفون الحق، فيستجيبون له مذعنين معلنين هذا الإذعان‏:‏ ‏{‏فآمنا به‏}‏ غير منكرين لما مس نفوسهم منه ولا معاندين، كما كان المشركون يفعلون‏!‏

‏{‏ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏‏.‏‏.‏

فهو الإيمان الخالص الصريح الصحيح‏.‏ غير مشوب بشرك، ولا ملتبس بوهم، ولا ممتزج بخرافة، الإيمان الذي ينبعث من إدراك حقيقة القرآن، والحقيقة التي يدعو إليها القرآن، حقيقة التوحيد لله بلا شريك‏.‏

‏{‏وأنه تعالى جد ربنا، ما اتخذ صاحبة ولا ولداً‏}‏‏.‏‏.‏

والجد‏:‏ الحظ والنصيب‏.‏ وهو القدر والمقام‏.‏ وهو العظمة والسلطان‏.‏‏.‏ وكلها إشعاعات من اللفظ تناسب المقام‏.‏ والمعنى الإجمالي منها في الآية هو التعبير عن الشعور باستعلاء الله سبحانه وبعظمته وجلاله عن أن يتخذ صاحبة أي زوجة وولداً بنين أو بنات‏!‏

وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، جاءته من صهر مع الجن‏!‏ فجاءت الجن تكذب هذه الخرافة الأسطورية في تسبيح لله وتنزيه، واستنكاف من هذا التصور أن يكون‏!‏ وكانت الجن حرية أن تفجر بهذا الصهر الخرافي الأسطوري لو كان يشبه أن يكون‏!‏ فهي قذيفة ضخمة تطلق على ذلك الزعم الواهي في تصورات المشركين‏!‏ وكل تصور يشبه هذه التصورات، ممن زعموا أن لله ولداً سبحانه في أية صورة وفي أي تصوير‏!‏

‏{‏وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً، وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً‏}‏‏.‏

وهذه مراجعة من الجن لما كانوا يسمعون من سفائهم من الشرك بالله، وادعاء الصاحبة والولد والشريك، بعدما تبين لهم من سماع القرآن أنه لم يكن حقاً ولا صواباً، وأن قائليه إذن سفهاء فيهم خرق وجهل؛ وهم يعللون تصديقهم لهؤلاء السفهاء من قبل بأنهم كانوا لا يتصورون أن أحداً يمكن أن يكذب على الله من الإنس أو الجن‏.‏ فهم يستعظمون ويستهولون أن يجرؤ أحد على الكذب على الله‏.‏ فلما قال لهم سفهاؤهم‏:‏ إن لله صاحبة وولداً، وإن له شريكاً صدقوهم، لأنهم لم يتصوروا أنهم يكذبون على الله أبداً‏.‏‏.‏ وهذا الشعور من هؤلاء النفر بنكارة الكذب على الله، هو الذي أهلهم للإيمان‏.‏ فهو دلالة على أن قلوبهم نظيفة مستقيمة؛ إنما جاءها الضلال من الغرارة والبراءة‏!‏ فلما مسها الحق انتفضت، وأدركت، وتذوقت وعرفت‏.‏ وكان منهم هذا الهتاف المدوي‏:‏ ‏{‏إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنآ أحداً‏.‏ وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه الانتفاضة من مس الحق، جديرة بأن تنبه قلوباً كثيرة مخدوعة في كبراء قريش، وزعمهم أن لله شركاء أو صاحبة وولداً‏.‏ وأن تثير في هذه القلوب الحذر واليقظة، والبحث عن الحقيقة فيما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم وما يقوله كبراء قريش، وأن تزلزل الثقة العمياء في مقالات السفهاء من الكبراء‏!‏ وقد كان هذا كله مقصوداً بذكر هذه الحقيقة‏.‏ وكان جولة من المعركة الطويلة بين القرآن وبين قريش العصية المعاندة؛ وحلقة من حلقات العلاج البطيء لعقابيل الجاهلية وتصوراتها في تلك القلوب‏.‏ التي كان الكثير منها غراً بريئاً، ولكنه مضلل مقود بالوهم والخرافة وأضاليل المضللين من القادة الجاهليين‏!‏

‏{‏وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه إشارة من الجن إلى ما كان متعارفاً في الجاهلية وما يزال متعارفاً إلى اليوم في بيئات كثيرة من أن للجن سلطاناً على الأرض وعلى الناس، وأن لهم قدرة على النفع والضر، وأنهم محكمون في مناطق من الأرض أو البحر أو الجو‏.‏

‏.‏ إلى آخر هذه التصورات‏.‏ مما كان يقتضي القوم إذا باتوا في فلاة أو مكان موحش، أن يستعيذوا بسيد الوادي من سفهاء قومه، ثم يبيتون بعد ذلك آمنين‏!‏

والشيطان مسلط على قلوب بني آدم إلا من اعتصم بالله فهو في نجوة منه وأما من يركن إليه فهو لا ينفعه‏.‏ فهو له عدو‏.‏ إنما يرهقه ويؤذيه‏.‏‏.‏ وهؤلاء النفر من الجن يحكون ما كان يحدث‏:‏ ‏{‏وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً‏}‏‏.‏‏.‏ ولعل هذا الرهق هو الضلال والقلق والحيرة التي تنوش قلوب من يركنون إلى عدوهم، ولا يعتصمون بالله منه ويستعيذون‏!‏ كما هم مأمورون منذ أبيهم آدم وما كان بينه وبين إبليس من العداء القديم‏!‏

والقلب البشري حين يلجأ إلى غير الله، طمعاً في نفع، أو دفعاً لضر، لا يناله إلا القلق والحيرة، وقلة الاستقرار والطمأنينة‏.‏‏.‏ وهذا هو الرهق في أسوأ صورة‏.‏‏.‏ الرهق الذي لا يشعر معه القلب بأمن ولا راحة‏!‏

إن كل شيء سوى الله وكل أحد، متقلب غير ثابت، ذاهب غير دائم، فإذا تعلق به قلب بقي يتأرجح ويتقلب ويتوقع ويتوجس؛ وعاد يغير اتجاهه كلما ذهب هذا الذي عقد به رجاءه‏.‏ والله وحده هو الباقي الذي لا يزول‏.‏ الحي الذي لا يموت‏.‏ الدائم الذي لا يتغير‏.‏ فمن اتجه إليه اتجه إلى المستقر الثابت الذي لا يزول ولا يحول‏:‏

‏{‏وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً‏}‏‏.‏‏.‏

يتحدثون إلى قومهم، عن أولئك الرجال من الإنس الذين كانوا يعوذون برجال من الجن، يقولون‏:‏ إنهم كانوا يظنون كما أنكم تظنون أن الله لن يبعث رسولا‏.‏ ولكن ها هو ذا قد بعث رسولاً، بهذا القرآن الذي يهدي إلى الرشد‏.‏‏.‏ أو أنهم ظنوا أنه لن يكون هناك بعث ولا حساب كما ظننتم فلم يعملوا للآخرة شيئاً، وكذبوا ما وعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم من أمرها، لأنهم كانوا لا يعتقدون من قبل فيها‏.‏

وكلا الظنين لا ينطبق على الحقيقة، وفيه جهل وقلة إدراك لحكمة الله في خلق البشر‏.‏ فقد خلقهم باستعداد مزدوج للخير والشر والهدى والضلال ‏(‏كما نعرف من هذه السورة أن للجن هذه الطبيعة المزدوجة كذلك إلا من تمحض منهم للشر كإبليس، وطرد من رحمة الله بمعصيته الفاجرة، وانتهى إلى الشر الخالص بلا ازدواج‏)‏ ومن ثم اقتضت رحمة الله أن يعين أولئك البشر بالرسل، يستجيشون في نفوسهم عنصر الخير، ويستنقذون ما في فطرتهم من استعداد للهدى‏.‏ فلا مجال للاعتقاد بأنه لن يبعث إليهم أحداً‏.‏

هذا إذا كان المعنى هو بعث الرسل‏.‏

فأما بعث الآخرة فهو ضرورة كذلك لهذه النشأة التي لا تستكمل حسابها في الحياة الدنيا، لحكمة أرادها الله، وتتعلق بتنسيق للوجود يعلمه ولا نعلمه؛ فجعل البعث في الآخرة لتستوفي الخلائق حسابها، وتنتهي إلى ما تؤهلها له سيرتها الأولى في الحياة الدنيا‏.‏ فلا مجال للظن بأنه لن يبعث أحداً من الناس‏.‏ فهذا الظن مخالف للاعتقاد في حكمة الله وكماله‏.‏ سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏

وهؤلاء النفر من الجن يصححون لقومهم ظنهم، والقرآن في حكايته عنهم يصحح للمشركين أوهامهم‏.‏

ويمضي الجن في حكاية ما لقوه وما عرفوه من شأن هذه الرسالة في جنبات الكون، وفي أرجاء الوجود، وفي أحوال السماء والأرض، لينفضوا أيديهم من كل محاولة لا تتفق مع إرادة الله بهذه الرسالة، ومن كل ادعاء بمعرفة الغيب، ومن كل قدرة على شيء من هذا الأمر‏:‏

‏{‏وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً‏.‏ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً‏.‏ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه الوقائع التي حكاها القرآن عن الجن من قولهم، توحي بأنهم قبل هذه الرسالة الأخيرة ربما في الفترة بينها وبين الرسالة التي قبلها وهي رسالة عيسى عليه السلام كانوا يحاولون الاتصال بالملأ الأعلى، واستراق شيء مما يدور فيه، بين الملائكة، عن شؤون الخلائق في الأرض، مما يكلفون قضاءه تنفيذاً لمشيئة الله وقدره‏.‏ ثم يوحون بما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرافين، ليقوم هؤلاء بفتنة الناس وفق خطة إبليس‏!‏ على أيدي هؤلاء الكهان والعرافين الذين يستغلون القليل من الحق فيمزجونه بالكثير من الباطل، ويروجونه بين جماهير الناس في الفترة بين الرسالتين، وخلو الأرض من رسول‏.‏‏.‏ أما كيفية هذا وصورته فلم يقل لنا عنها شيئاً، ولا ضرورة لتقصيها‏.‏ إنما هي جملة هذه الحقيقة وفحواها‏.‏

وهذا النفر من الجن يقول‏:‏ إن استراق السمع لم يعد ممكناً، وإنهم حين حاولوه الآن وهو ما يعبرون عنه بلمس السماء وجدوا الطريق إليه محروساً بحرس شديد، يرجمهم بالشهب، فتنقض عليهم وتقتل من توجه إليه منهم‏.‏ ويعلنون أنهم لا يدرون شيئاً عن الغيب المقدر للبشر‏:‏ ‏{‏وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً‏}‏‏.‏‏.‏ فهذا الغيب موكول لعلم الله لا يعلمه سواه‏.‏ فأما نحن فلا نعلم ماذا قدر الله لعباده في الأرض‏:‏ قدر أن ينزل بهم الشر‏.‏ فهم متروكون للضلال، أم قدر لهم الرشد وهو الهداية وقد جعلوها مقابلة للشر‏.‏ فهي الخير، وعاقبتها هي الخير‏.‏

وإذا كان المصدر الذي يزعم الكهان أنهم يستقون منه معلوماتهم عن الغيب، يقرر أنه هو لا يدري عن ذلك شيئاً، فقد انقطع كل قول، وبطل كل زعم، وانتهى أمر الكهانة والعرافة‏.‏

وتمحض الغيب لله، لا يجترئ أحد على القول بمعرفته، ولا على التنبؤ به‏.‏ وأعلن القرآن تحرير العقل البشري من كل وهم وكل زعم من هذا القبيل‏!‏ وأعلن رشد البشرية منذ ذلك اليوم وتحررها من الخرافات والأساطير‏!‏

أما أين يقف ذلك الحرس‏؟‏ ومن هو‏؟‏ وكيف يرجم الشياطين بالشهب‏؟‏ فهذا كله مما لم يقل لنا عنه القرآن ولا الأثر شيئاً، وليس لنا مصدر سواهما نستقي منه عن هذا الغيب شيئاً؛ ولو علم الله أن في تفصيله خيراً لنا لفعل‏.‏ وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث؛ لا يضيف إلى حياتنا ولا إلى معرفتنا المثمرة شيئاً‏!‏

ولا مجال كذلك للاعتراض أو الجدل حول الشهب، وأنها تسير وفق نظام كوني، قبل البعثة وبعدها ووفق ناموس يحاول علماء الفلك تفسيره، بنظريات تخطئ وتصيب‏.‏ وحتى على فرض صحة هذه النظريات فإن هذا لا يدخل في موضوعنا، ولا يمنع أن ترجم الشياطين بهذه الشهب عند انطلاقها‏.‏ وأن تنطلق هذه الشهب رجوماً وغير رجوم وفق مشيئة الله الذي يجري عليها القانون‏!‏

فأما الذين يرون في هذا كله مجرد تمثيل وتصوير لحفظ الله للذكر من الالتباس بأي باطل؛ وأنه لا يجوز أن يؤخذ على ظاهره‏.‏‏.‏ فسبب هذا عندهم أنهم يجيئون إلى القرآن بتصورات مقررة سابقة في أذهانهم، أخذوها من مصادر أخرى غير القرآن‏.‏ ثم يحاولون أن يفسروا القرآن وفق تلك التصورات السابقة المقررة في أذهانهم من قبل‏.‏‏.‏ ومن ثم يرون الملائكة تمثيلاً لقوة الخير والطاعة‏.‏ والشياطين تمثيلاً لقوة الشر والمعصية‏.‏ والرجوم تمثيلاً للحفظ والصيانة‏.‏‏.‏‏.‏ الخ لأن في مقرراتهم السابقة قبل أن يواجهوا القرآن أن هذه المسميات‏:‏ الملائكة والشياطين أو الجن، لا يمكن أن يكون لها وجود مجسم على هذا النحو، وأن تكون لها هذه التحركات الحسية، والتأثيرات الواقعية‏!‏‏!‏‏!‏

من أين جاءوا بهذا‏؟‏ من أين جاءوا بهذه المقررات التي يحاكمون إليها نصوص القرآن والحديث‏؟‏

إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره، وفي التصور الإسلامي وتكوينه‏.‏‏.‏ أن ينفض الإنسان من ذهنه كل تصور سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة، وأن يبني مقرراته كلها حسما يصور القرآن والحديث حقائق هذا الوجود‏.‏ ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن، ولا ينفي شيئاً يثبته القرآن ولا يؤوله‏!‏ ولا يثبت شيئاً ينفيه القرآن أو يبطله‏.‏ وما عدا المثبت والمنفي في القرآن، فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته‏.‏‏.‏

نقول هذا بطبيعة الحال للمؤمنين بالقرآن‏.‏‏.‏ وهم مع ذلك يؤولون نصوصه هذه لتوائم مقررات سابقة في عقولهم، وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود‏.‏‏.‏

فأما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، ويعتسفون نفي هذه التصورات لمجرد أن العلم لم يصل إلى شيء منها، فهم مضحكون حقاً‏!‏ فالعلم لا يعلم أسرار الموجودات الظاهرة بين يديه، والتي يستخدمها في تجاربه‏.‏

وهذا لا ينفي وجودها طبعاً‏!‏ فضلاً على أن العلماء الحقيقيين أخذت كثرة منهم تؤمن بالمجهول على طريق المتدينين، أو على الأقل لا ينكرون ما لا يعلمون‏!‏ لأنهم بالتجربة وجدوا أنفسهم عن طريقة العلم ذاته أمام مجاهيل فيما بين أيديهم مما كانوا يحسبون أنهم فرغوا من الإحاطة بعلمه‏!‏ فتواضعوا تواضعاً علمياً نبيلاً ليست عليه سمة الادعاء، ولا طابع التطاول على المجهول، كما يتطاول مدعو العلم ومدعو التفكير العلمي، ممن ينكرون حقائق الديانات، وحقائق المجهول‏!‏

إن الكون من حولنا حافل بالأسرار، عامر بالأرواح، حاشد بالقوى‏.‏ وهذه السورة من القرآن كغيرها تمنحنا جوانب من الحقائق في هذا الوجود، تعين على بناء تصور حقيقي صحيح للوجود وما فيه من قوى وأرواح وحيوات تعج من حولنا، وتتفاعل مع حياتنا وذواتنا‏.‏ وهذا التصور هو الذي يميز المسلم ويقف به وسطاً بين الوهم والخرافة، وبين الادعاء والتطاول‏.‏ ومصدره هو القرآن والسنة‏.‏ وإليهما يحاكم المسلم كل تصور آخر وكل قول وكل تفسير‏.‏‏.‏

وإن هنالك مجالاً للعقل البشري معيناً في ارتياد آفاق المجهول‏:‏ والإسلام يدفعه إلى هذا دفعاً‏.‏‏.‏ ولكن وراء هذا المجال المعين ما لا قدرة لهذا العقل على ارتياده، لأنه لا حاجة به إلى ارتياده‏.‏ وما لا حاجة له به في خلافة الأرض فلا مجال له إليه، ولا حكمة في إعانته عليه‏.‏ لأنه ليس من شأنه، ولا داخلاً في حدود اختصاصه‏.‏ والقدر الضروري له منه ليعلم مركزه في الكون بالقياس إلى ما حوله ومن حوله، قد تكفل الله سبحانه ببيانه له، لأنه أكبر من طاقته‏.‏ وبالقدر الذي يدخل في طاقته‏.‏ ومنه هذا الغيب الخاص بالملائكة والشياطين والروح والمنشأ والمصير‏.‏‏.‏

فأما الذين اهتدوا بهدى الله، فقد وقفوا في هذه الأمور عند القدر الذي كشفه الله لهم في كتبه وعلى لسان رسله‏.‏ وأفادوا منه الشعور بعظمة الخالق، وحكمته في الخلق، والشعور بموقف الإنسان في الأرض من هذه العوالم والأرواح‏.‏ وشغلوا طاقاتهم العقلية في الكشف والعلم المهيأ للعقل في حدود هذه الأرض وما حولها من أجرام بالقدر الممكن لهم‏.‏ واستغلوا ما علموه في العمل والإنتاج وعمران هذه الأرض والقيام بالخلافة فيها، على هدى من الله، متجهين إليه، مرتفعين إلى حيث يدعوهم للارتفاع‏.‏

وأما الذين لم يهتدوا بهدى الله فانقسموا فرقتين كبيرتين‏:‏

فرقة ظلت تجاهد بعقولها المحدودة لإدراك غير المحدود من ذاته تعالى، والمعرفة الحقيقية المغيبة عن غير طريق الكتب المنزلة‏.‏ وكان منهم فلاسفة حاولوا تفسير هذا الوجود وارتباطاته، فظلوا يتعثرون كالأطفال الذين يصعدون جبلاً شاهقاً لا غاية لقمته، أو يحاولون حل لغز الوجود وهم لم يتقنوا بعد أبجدية الهجاء‏!‏ وكانت لهم تصورات مضحكة وهم كبار فلاسفة مضحكة حقاً حين يقرنها الإنسان إلى التصور الواضح المستقيم الجميل الذي ينشئه القرآن‏.‏

مضحكة بعثراتها‏.‏ ومضحكة بمفارقاتها‏.‏ ومضحكة بتخلخلها‏.‏ ومضحكة بقزامتها بالقياس إلى عظمة الوجود الذي يفسرونه بها‏.‏‏.‏ لا أستثني من هذا فلاسفة الإغريق الكبار، ولا فلاسفة المسلمين الذين قلدوهم في منهج التفكير‏.‏ ولا فلاسفة العصر الحديث‏!‏ وذلك حين يقاس تصورهم إلى التصور الإسلامي للوجود‏.‏

فهذه فرقة‏.‏ فأما الفرقة الأخرى، فقد يئست من جدوى هذا الاتجاه في المعرفة‏.‏ فعدلت عنه إلى حصر نفسها وجهدها في العلم التجريبي والتطبيقي‏.‏ ضاربة صفحاً عن المجهول، الذي ليس إليه من سبيل‏.‏ وغير مهتدية فيه بهدى الله‏.‏ لأنها لا تستطيع أن تدرك الله‏!‏ وهذه الفرقة كانت في أوج غلوائها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر‏.‏ ولكنها أخذت منذ مطلع هذا القرن تفيق من الغرور العلمي الجامح، على هروب المادة من بين أيديها وتحولها إلى إشعاع «مجهول الكنه» ويكاد يكون مجهول القانون‏!‏

وبقي الإسلام ثابتاً على صخرة اليقين‏.‏ يمنح البشر من المجهول القدر الذي لهم فيه خير‏.‏ ويوفر طاقتهم العقلية للعمل في خلافة الأرض‏.‏ ويهيئ لعقولهم المجال الذي تعمل فيه في أمن‏.‏ ويهديهم للتي هي أقوم في المجهول وغير المجهول‏!‏

بعد ذلك أخذ الجن يصفون حالهم وموقفهم من هدى الله؛ بما نفهم منه أن لهم طبيعة مزدوجة كطبيعة الإنسان في الاستعداد للهدى والضلال‏.‏ ويحدثنا هذا النفر عن عقيدتهم في ربهم وقد آمنوا به‏.‏ وعن ظنهم بعاقبة من يهتدي ومن يضل‏:‏

‏{‏وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك، كنا طرآئق قدداً‏.‏ وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً‏.‏ وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً‏.‏ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون‏:‏ فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً‏.‏ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً‏}‏‏.‏‏.‏

وهذا التقرير من الجن بأن منهم صالحين وغير صالحين، مسلمين وقاسطين، يفيد ازدواج طبيعة الجن، واستعدادهم للخير والشر كالإنسان إلا من تمحض للشر منهم وهو إبليس وقبيله وهو تقرير ذو أهمية بالغة في تصحيح تصورنا العام عن هذا الخلق‏.‏ فأغلبنا حتى الدارسين الفاقهين على اعتقاد أن الجن يمثلون الشر، وقد خلصت طبيعتهم له‏.‏ وأن الإنسان وحده بين الخلائق هو ذو الطبيعة المزدوجة‏.‏ وهذا ناشئ من مقررات سابقة في تصوراتنا عن حقائق هذا الوجود كما أسلفنا‏.‏ وقد آن أن نراجعها على مقررات القرآن الصحيحة‏!‏

وهذا النفر من الجن يقول‏:‏ ‏{‏وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك‏}‏‏.‏‏.‏ ويصف حالهم بصفة عامة‏:‏ ‏{‏كنا طرائق قدداً‏}‏‏.‏

‏.‏ أي لكل منا طريقته المنفصلة المقدودة المنقطعة عن طريقة الفريق الآخر‏.‏

ثم بين النفر معتقدهم الخاص بعد إيمانهم‏:‏

‏{‏وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض، ولن نعجزه هرباً‏}‏‏.‏‏.‏

فهم يعرفون قدرة الله عليهم في الأرض، ويعرفون عجزهم عن الهرب من سلطانه سبحانه والإفلات من قبضته، والفكاك من قدره‏.‏ فلا هم يعجزون الله وهم في الأرض، ولا هم يعجزونه بالهرب منها‏.‏ وهو ضعف العبد أمام الرب، وضعف المخلوق أمام الخالق‏.‏ والشعور بسلطان الله القاهر الغالب‏.‏

وهؤلاء الجن هم الذين يعوذ بهم رجال من الإنس‏!‏ وهم الذين يستعين بهم الإنس في الحوائج‏!‏ وهم الذين جعل المشركون بين الله سبحانه وبينهم نسباً‏!‏ وهؤلاء هم يعترفون بعجزهم وقدرة الله‏.‏ وضعفهم وقوة الله، وانكسارهم وقهر الله، فيصححون، لا لقومهم فحسب بل للمشركين كذلك، حقيقة القوة الواحدة الغالبة على هذا الكون ومن فيه‏.‏

ثم يصفون حالهم عندما سمعوا الهدى، وقد قرروه من قبل، ولكنهم يكررونه هنا بمناسبة الحديث عن فرقهم وطوائفهم تجاه الإيمان‏:‏

‏{‏وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به‏}‏‏.‏‏.‏

كما ينبغي لكل من يسمع الهدى‏.‏ وهم سمعوا القرآن‏.‏ ولكنهم يسمونه هدى كما هي حقيقته ونتيجته‏.‏ ثم يقررون ثقتهم في ربهم، وهي ثقة المؤمن في مولاه‏:‏

‏{‏فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً‏}‏‏.‏‏.‏

وهي ثقة المطمئن إلى عدل الله، وإلى قدرته، ثم إلى طبيعة الإيمان وحقيقته‏.‏‏.‏ فالله سبحانه عادل‏.‏ ولن يبخس المؤمن حقه، ولن يرهقه بما فوق طاقته‏.‏ والله سبحانه قادر‏.‏ فسيحمي عبده المؤمن من البخس وهو نقص الاستحقاق إطلاقاً، ومن الرهق وهو الجهد والمشقة فوق الطاقة‏.‏ ومن ذا الذي يملك أن يبخس المؤمن أو يرهقه وهو في حماية الله ورعايته‏؟‏ ولقد يقع للمؤمن حرمان من بعض أعراض هذه الحياة الدنيا؛ ولكن هذا ليس هو البخس، فالعوض عما يحرمه منها يمنع عنه البخس‏.‏ وقد يصيبه الأذى من قوى الأرض؛ لكن هذا ليس هو الرهق، لأن ربه يدركه بطاقة تحتمل الألم وتفيد منه وتكبر به‏!‏ وصلته بربه تهوّن عليه المشقة فتمحضها لخيره في الدنيا والآخرة‏.‏

المؤمن إذن في أمان نفسي من البخس ومن الرهق‏:‏ ‏{‏فلا يخاف بخساً ولا رهقاً‏}‏‏.‏‏.‏ وهذا الأمان يولد الطمأنينة والراحة طوال فترة العافية، فلا يعيش في قلق وتوجس‏.‏ حتى إذا كانت الضراء لم يهلع ولم يجزع، ولم تغلق على نفسه المنافذ‏.‏‏.‏ إنما يعد الضراء ابتلاء من ربه يصبر له فيؤجر‏.‏ ويرجو فرج الله منها فيؤجر‏.‏ وهو في الحالين لم يخف بخساً ولا رهقاً‏.‏ ولم يكابد بخساً ولا رهقاً‏.‏

وصدق النفر المؤمن من الجن في تصوير هذه الحقيقة المنيرة‏.‏

ثم يقررون تصورهم لحقيقة الهدى والضلال، والجزاء على الهدى والضلال‏:‏

‏{‏وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون‏.‏

فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً‏.‏ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً‏}‏‏.‏‏.‏

والقاسطون‏:‏ الجائرون المجانبون للعدل والصلاح‏.‏ وقد جعلهم هذا النفر من الجن فريقاً يقابل المسلمين‏.‏ وفي هذا إيماءة لطيفة بليغة المدلول‏.‏ فالمسلم عادل مصلح، يقابله القاسط‏:‏ الجائر المفسد‏:‏

‏{‏فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً‏}‏‏.‏‏.‏ والتعبير بلفظ ‏{‏تحروا‏}‏ يوحي بأن الاهتداء إلى الإسلام معناه الدقة في طلب الرشد والاهتداء ضد الغي والضلال معناه تحري الصواب واختياره عن معرفة وقصد بعد تبين ووضوح‏.‏ وليس هو خبط عشواء ولا انسياقاً بغير إدراك‏.‏ ومعناه أنهم وصلوا فعلاً إلى الصواب حين اختاروا الإسلام‏.‏‏.‏ وهو معنى دقيق وجميل‏.‏‏.‏

‏{‏وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً‏}‏ أي تقرر أمرهم وانتهى إلى أن يكونوا حطباً لجهنم، تتلظى بهم وتزداد اشتعالاً، كما تتلظى النار بالحطب‏.‏‏.‏

ودل هذا على أن الجن يعذبون بالنار‏.‏ ومفهومه أنهم كذلك ينعمون بالجنة‏.‏‏.‏ هكذا يوحي النص القرآني‏.‏ وهو الذي نستمد منه تصورنا‏.‏ فليس لقائل بعد هذا أن يقول شيئاً يستند فيه إلى تصور غير قرآني، عن طبيعة الجن وطبيعة النار أو طبيعة الجنة‏.‏‏.‏ فسيكون ما قاله حقاً بلا جدال‏!‏

وما ينطبق على الجن مما بينوه لقومهم، ينطبق على الإنس وقد قاله لهم الوحي بلسان نبيهم‏.‏‏.‏

وإلى هنا كان الوحي يحكي قول الجن بألفاظهم المباشرة عن أنفسهم؛ ثم عدل عن هذا النسق إلى تلخيص مقالة لهم عن فعل الله مع الذين يستقيمون على الطريقة إليه، وذكرها بفحواها لا بألفاظها‏:‏

‏{‏وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء غدقاً لنفتنهم فيه، ومن يُعرِض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً‏}‏‏.‏‏.‏

يقول الله سبحانه إنه كان من مقالة الجن عنا‏:‏ ما فحواه أن الناس لو استقاموا على الطريقة، أو أن القاسطين لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم نحن ماء موفوراً نغدقه عليهم، فيفيض عليهم بالرزق والرخاء‏.‏‏.‏ ‏{‏لنفتنهم فيه‏}‏ ونبتليهم أيشكرون أم يكفرون‏.‏

وهذا العدول عن حكاية قول الجن إلى ذكر فحوى قولهم في هذه النقطة، يزيد مدلولها توكيداً بنسبة الإخبار فيها والوعد إلى الله سبحانه‏.‏ ومثل هذه اللفتات كثير في الأسلوب القرآني، لإحياء المعاني وتقويتها وزيادة الانتباه إليها‏.‏

وهذه اللفتة تحتوي جملة حقائق، تدخل في تكوين عقيدة المؤمن، وتصوره عن جريان الأمور وارتباطاتها‏.‏

والحقيقة الأولى‏:‏ هي الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله، وبين إغداق الرخاء وأسبابه؛ وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه‏.‏ وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة‏.‏ وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة، ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء‏.‏ ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية‏.‏‏.‏

وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة‏.‏

وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف، حتى استقاموا على الطريقة، ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق‏.‏ ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلاباً‏.‏ وما يزالون في نكد وشظف، حتى يفيئوا إلى الطريقة، فيتحقق فيهم وعد الله‏.‏

وإذا كانت هناك أمم لا تستقيم على طريقة الله، ثم تنال الوفر والغنى، فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو أمنها أو قيمة الإنسان وكرامته فيها، تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء‏.‏ وتحيل الحياة فيها لعنة مشؤومة على إنسانية الإنسان وخلقه وكرامته وأمنه وطمأنينته ‏(‏كما سبق بيانه في سورة نوح‏)‏‏.‏‏.‏

والحقيقة الثانية التي تنبثق من نص هذه الآية‏:‏ هي أن الرخاء ابتلاء من الله للعباد وفتنة‏.‏ ونبلوكم بالشر والخير فتنة‏.‏ والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه أشق وأنذر من الصبر على الشدة‏!‏ على عكس ما يلوح للنظرة العجلى‏.‏‏.‏ فكثيرون هم الذين يصبرون على الشدة ويتماسكون لها، بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومقاومة؛ ومن ذكر لله والتجاء إليه واستعانة به، حين تسقط الأسناد في الشدة فلا يبقى إلا ستره‏.‏ فأما الرخاء فينسي ويلهي، ويرخي الأعضاء وينيم عناصر المقاومة في النفس، ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان‏!‏

إن الابتلاء بالنعمة في حاجة ملحة إلى يقظة دائمة تعصم من الفتنة‏.‏‏.‏ نعمة المال والرزق كثيراً ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر، مع السرف أو مع البخل، وكلاهما آفة للنفس والحياة‏.‏‏.‏ ونعمة القوة كثيراً ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر مع الطغيان والجور، والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس، والتهجم على حرمات الله‏.‏‏.‏ ونعمة الجمال كثيراً ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه وتتردى في مدارك الإثم والغواية‏.‏‏.‏ ونعمة الذكاء كثيراً ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين وبالقيم والموازين‏.‏‏.‏ وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر الله فعصمه الله‏.‏‏.‏

والحقيقة الثالثة أن الإعراض عن ذكر الله، الذي قد تنتهي إليه فتنة الابتلاء بالرخاء، مؤد إلى عذاب الله‏.‏ والنص يذكر صفة للعذاب ‏{‏يسلكه عذاباً صعداً‏}‏‏.‏‏.‏ توحي بالمشقة مذ كان الذي يصعد في المرتفع يجد مشقة في التصعيد كلما تصعد‏.‏ وقد درج القرآن على الرمز للمشقة بالتصعيد‏.‏ فجاء في موضع‏:‏ ‏{‏فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السمآء‏}‏ وجاء في موضع‏:‏ ‏{‏سأرهقه صعوداً‏}‏ وهي حقيقة مادية معروفة‏.‏ والتقابل واضح بين الفتنة بالرخاء وبين العذاب الشاق عند الجزاء‏!‏

والآية الثالثة في السياق يجوز أن تكون حكاية لقول الجن، ويجوز أن تكون من كلام الله ابتداء‏:‏

‏{‏وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً‏}‏‏.‏

وهي في الحالتين توحي بأن السجود أو مواضع السجود وهي المساجد لا تكون إلا لله، فهناك يكون التوحيد الخالص، ويتوارى كل ظل لكل أحد، ولكل قيمة، ولكل اعتبار‏.‏ وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة لله‏.‏ ودعاء غير الله قد يكون بعبادة غيره؛ وقد يكون بالالتجاء إلى سواه؛ وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير الله‏.‏

فإن كانت الآية من مقومات الجن فهي توكيد لما سبق من قولهم‏:‏ ‏{‏ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏ في موضع خاص، وهو موضع العبادة والسجود‏.‏ والسجود‏.‏ وإن كانت من قول الله ابتداء، فهي توجيه بمناسبة مقالة الجن وتوحيدهم لربهم، يجيء في موضعه على طريقة القرآن‏:‏

وكذلك الآية التالية‏:‏

‏{‏وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً‏}‏‏.‏‏.‏

أي متجمعين متكتلين عليه، حين قام يصلي ويدعو ربه‏.‏ والصلاة معناها في الأصل الدعاء‏.‏

فإذا كانت من مقولات الجن، فهي حكاية منهم عن مشركي العرب، الذين كانوا يتجمعون فئات حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي أو وهو يتلو القرآن كما قال في «سورة المعارج»‏:‏ ‏{‏فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين‏؟‏‏}‏ يتسمعون في دهش ولا يستجيبون‏.‏ أو وهم يتجمعون لإيقاع الأذى به، ثم يعصمه الله منهم كما وقع ذلك مراراً‏.‏‏.‏ ويكون قول الجن هذا لقومهم للتعجيب من أمر هؤلاء المشركين‏!‏

وإذا كانت من إخبار الله ابتداء، فقد تكون حكاية عن حال هذا النفر من الجن، حين سمعوا القرآن‏.‏‏.‏ العجب‏.‏‏.‏ فأخذوا ودهشوا، وتكأكأوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لصق بعض، كما تكون لبدة الصوف المنسوق شعرها، بعضه لصق بعض‏!‏‏.‏‏.‏ ولعل هذا هو الأقرب لمدلول الآية لاتساقه مع العجب والدهشة والارتياع والوهلة البادية في مقالة الجن كلها‏!‏ والله أعلم‏.‏‏.‏

وعندما تنتهي حكاية مقالة الجن عن هذا القرآن، وعن هذا الأمر، الذي فاجأ نفوسهم، وهز مشاعرهم وأطلعهم على انشغال السماء والأرض والملائكة والكواكب بهذا الأمر؛ وعلى ما أحدثه من آثار في نسق الكون كله؛ وعلى الجد الذي يتضمنه، والنواميس التي تصاحبه‏.‏

عندما ينتهي هذا كله يتوجه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في إيقاعات جادة صارمة حاسمة، بالتبليغ، والتجرد من هذا الأمر كله بعد التبليغ، والتجرد كذلك من كل دعوى في الغيب أو في حظوظ الناس ومقادرهم‏.‏‏.‏ وذلك كله في جو عليه مسحة من الحزن والشجى تناسب ما فيه من جد ومن صرامة‏:‏

‏{‏قل‏:‏ إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحداً‏.‏ قل‏:‏ إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً‏.‏ قل‏:‏ إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً‏.‏ إلا بلاغاً من الله ورسالاته‏.‏ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبداً‏.‏

حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً،‏.‏ قل‏:‏ إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً‏.‏ عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً‏.‏ إلا من ارتضى من رسول‏.‏ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً‏.‏ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً‏}‏‏.‏‏.‏

قل يا محمد للناس‏:‏ ‏{‏إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحداً‏}‏‏.‏‏.‏ وهذا الإعلان يجيء بعد إعلان الجن لقومهم‏:‏ ‏{‏ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏‏.‏‏.‏ فيكون له طعمه وله إيقاعه‏.‏ فهي كلمة الإنس والحق، يتعارفان عليها‏:‏ فمن شذ عنها كالمشركين فهو يشذ عن العالمين‏.‏

قل‏:‏ ‏{‏إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً‏}‏‏.‏‏.‏ يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتجرد، ويؤمر أن ينفض يديه من كل ادعاء لشيء هو من خصائص الله الواحد الذي يعبده ولا يشرك به أحداً‏.‏ فهو وحده الذي يملك الضر ويملك الخير‏.‏ ويجعل مقابل الضر الرشد، وهو الهداية، كما جاء التعبير في مقالة الجن من قبل‏:‏ ‏{‏وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً‏}‏‏.‏‏.‏ فيتطابق القولان في اتجاههما وفي ألفاظهما تقريباً، وهو تطابق مقصود في القصة والتعقيب عليها، كما يكثر هذا في الأسلوب القرآني‏.‏‏.‏

وبهذا وذلك يتجرد الجن وهو موضع الشبهة في المقدرة على النفع والضر ويتجرد النبي صلى الله عليه وسلم وتتفرد الذات الإلهية بهذا الأمر‏.‏ ويستقيم التصور الإيماني على هذا التجرد الكامل الصريح الواضح‏.‏

‏{‏قل‏:‏ إني لن يجيرني من الله أحداً ولن أجد من دونه ملتحداً‏.‏ إلا بلاغاً من الله ورسالاته‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه هي القولة الرهيبة، التي تملأ القلب بجدية هذا الأمر‏.‏‏.‏ أمر الرسالة والدعوة‏.‏‏.‏ والرسول صلى الله عليه وسلم يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبيرة‏.‏‏.‏ إني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجد من دونه ملجأ أو حماية، إلا أن أبلغ هذا الأمر، وأؤدي هذه الأمانة، فهذا هو الملجأ الوحيد، وهذه هي الإجارة المأمونة‏.‏ إن الأمر ليس أمري، وليس لي فيه شيء إلا التبليغ، ولا مفر لي من هذا التبليغ‏.‏ فأنا مطلوب به من الله ولن يجيرني منه أحد، ولن أجد من دونه ملجأ يعصمني، إلا أن أبلغ وأؤدي‏!‏

يا للرهبة‏!‏ ويا للروعة‏!‏ ويا للجد‏!‏

إنها ليست تطوعاً يتقدم به صاحب الدعوة‏.‏ إنما هو التكليف‏.‏ التكليف الصارم الجازم، الذي لا مفر من أدائه‏.‏ فالله من ورائه‏!‏

وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الهدى والخير للناس‏.‏ إنما هو الأمر العلوي الذي لا يمكن التلفت عنه ولا التردد فيه‏!‏ وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد‏.‏‏.‏ إنها تكليف وواجب‏.‏ وراءه الهول، ووراءه الجد، ووراءه الكبير المتعال‏!‏

‏{‏ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً‏.‏

حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً‏}‏‏.‏

فهو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبلغه هذا الأمر ثم يعصي‏.‏ بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ‏.‏

وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين القلائل معه، فسيعلمون حين يرون ما يوعدون إما في الدنيا وإما في الآخرة ‏{‏من أضعف ناصراً وأقل عدداً‏}‏‏.‏‏.‏ وأي الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل‏!‏

ونعود إلى مقالة الجن فنجدهم يقولون‏:‏ ‏{‏وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً‏}‏ فنجد التعقيب على القصة يتناسق معها‏.‏ ونجد القصة تمهد للتعقيب فيجيء في أوانه وموعده المطلوب‏!‏

ثم يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتجرد وينفض يديه من أمر الغيب أيضاً‏:‏

‏{‏قل‏:‏ إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏

إن الدعوة ليست من أمره، وليس له فيها شيء، إلا أن يبلغها قياماً بالتكليف، والتجاء بنفسه إلى منطقة الأمان الذي لا يبلغه إلا أن يبلغ ويؤدي‏.‏ وإن ما يوعدونه على العصيان والتكذيب هو كذلك من أمر الله، وليس له فيه يد، ولا يعلم له موعداً‏.‏ فما يدري أقريب هو أم بعيد يجعل له الله أمداً ممتداً‏.‏ سوء عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة‏.‏ فكله غيب في علم الله؛ وليس للنبي من أمره شيء، ولا حتى علم موعده متى يكون والله سبحانه هو المختص بالغيب دون العالمين‏:‏

‏{‏عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً‏}‏‏.‏‏.‏

ويقف النبي صلى الله عليه وسلم متجرداً من كل صفة إلا صفة العبودية‏.‏ فهو عبد الله‏.‏ وهذا وصفه في أعلى درجاته ومقاماته‏.‏‏.‏ ويتجرد التصور الإسلامي من كل شبهة ومن كل غبش‏.‏ والنبي صلى الله عليه وسلم يؤمر أن يبلغ فيبلغ‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً، عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً‏}‏‏.‏‏.‏

هناك فقط استثناء واحد‏.‏‏.‏ وهو ما يأذن به الله من الغيب، فيطلع عليه رسله، في حدود ما يعاونهم على تبليغ دعوته إلى الناس‏.‏ فما كان ما يوحي به إليهم إلا غيباً من غيبه، يكشفه لهم في حينه ويكشفه لهم بقدر، ويرعاهم وهم يبلغونه، ويراقبهم كذلك‏.‏‏.‏ ويؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن هذا في صورة جادة رهيبة‏:‏

‏{‏إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم، وأحصى كل شيء عدداً‏}‏‏.‏‏.‏

فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته، يطلعهم على جانب من غيبه، هو هذا الوحي‏:‏ موضوعه، وطريقته، والملائكة الذين يحملونه، ومصدره، وحفظه في اللوح المحفوظ‏.‏